زاد الجدل والحوار بين الإسلاميين والعلمانيين عن الدولة الدينية والدولة المدنية، وتعددت المساجلات في هذا الشأن منطلقةً من اتهام العلمانيين للإسلام بقصوره عن إيجاد الدولة المدنية ودفاع الإسلاميين عن مبدأ مدنية الدولة مع اختلاف مفهوم الدولة المدنية والحكم المدني عند الفريقين من النقيض إلى النقيض؛ لأن أحد الفريقين يريدها مدنيةً متحللةً من كل ما يربطها بالدين من روابط، بينما يراها الفريق الآخر مدنية لا تنفك عن الدين، بل هي مشدودةٌ إليه دائرةٌ في فلكه، ولكلِّ فريقٍ دفاعاته، ولكل فريق مقدماته التي يبني عليها خصوصًا بعد ما أعلن الإخوان برنامجهم المقترح للحزب المزمع إنشاؤه في حال سمحت الحالة السياسية في مصر بذلك، ولعل قراءةً متأنيةً للمسألة لمحاولة فهم الأمر عن قربٍ تجلي المسألة وتوصل إلى الصواب المنشود أو على الأقل تُقرِّب وجهات النظر.

 

وقد يكون في سَوْقِ بعض الأسئلة هنا ما يلقي الضوء على مطلوب كل فريق ونظرته للقضية، وأما هذه الأسئلة فهي:

- ما الدولة الدينية؟

- ما العلمانية؟

- ما مفهوم الدولة المدنية في الغرب؟

- ما نظرة الإسلام للدولة؟

- هل تكافئ هيئة كبار العلماء (والتي سيحجز لها الإخوان مكانًا في منظومة اتخاذ القرار) في الإسلام سلطة الكنيسة المرفوضة عند الغرب؟

 

فأما الدولة الدينية فكان نظام الحكم فيها يلتزم بحكم رجال الدين، ولم يكن ذلك يعني تولي رجال الدين مناصب الحكم وإنما مناصب القضاء والتشريع، ولقد استخدمت الكنيسة هذا الحق استخدامًا جائرًا ضجَّ منه المجتمع الأوروبي، وكان له رد فعلٍ عنيفٍ تجاه تدخل رجال الدين في حياة الأفراد وترجموا رفضهم لهذه الممارسات إلى رفضٍ للدين نفسه فظهرت الحركات العلمانية.

 

والباحثون في هذا التاريخ يعرفون جيدًا أن ما كان يحكم هذه النظرة هو نظرية السيفين، والتي تقول إن الله هو مصدر السلطات، وإنه منح الكنيسة السيف الروحاني أو السلطة الدينية في حين منح الدولة السيف الزمني أو السلطة المدنية ثم حلت نظرية السيف الواحد مكانها والتي تقول إن الملك يجمع بين السلطتين، وإنه لا يحكمه فيما يتخذ من قرارات إلا الالتزام الأخلاقي بما يعود إلى القانون الإلهي.

 

ثم كان الجانب الصعب في المسألة، والذي اعتمد ما عُرِف بالعقد الاجتماعي، والذي كان يقضي حسب تفسيراتهم أن الشعب بعد تولية الملك أو الحاكم يخضع له خضوعًا مطلقًا فيما يذهب إليه وليس له الحق في الخروج على قراراته؛ وذلك بعد ما يتفق الأفراد المكونون لأي تجمعٍ بشري على تبني نظامٍ معينٍ ليصبح هذا الاتفاق وقد اتخذ شكلاً تعاقديًّا سواء حدث بالفعل أو كان عقدًا افتراضيًّا ضمنيًّا، وبالتالي هو يخضع الأفراد تمامًا للفرد الذي تعارفوا على اختياره حاكمًا مهما كان منه.

 

وهذا هو سبب ما عُرِفَ بسطوة الكنيسة في اشتراكها مع الملك (الدينية والزمنية) في حكم الشعوب، ولعل أوضح ما يمثل هذا الجور والعنت هو فلورنسا تحت حكم سافونا رولا.
والعلمانية وعلى النقيض تمامًا من ذلك فإنها تستبعد كل حس وشعور ديني سواء من نظرة الفرد إلى كافة أمور الحياة والسلوك على أن يتحول الأمر إلى مجموعةٍ من الطقوس والشعائر التي تتعلق بالإيمان الشخصي.

 

وأما على المستوى العام فهي تعني ضرورة إبعاد المؤسسات والمناصب الدينية عن ممارسة أي تأثيرٍ في الحياة العامة والتشريع والإدارة والسياسة والحكم؟.

 

وأما الدولة المدنية: حسب المفهوم الغربي فهي دولة يحكمها الدستور والقانون، ملكية كانت أم جمهورية ورئاسية أو برلمانية على أنه لا علاقةَ للدين بمؤسساتها ولا إداراتها، ويقوم بالتشريع فيها نخبةٌ من الشعب اختيرت عن طريق الاقتراع أو غيره سواء عن طريق الشعب بعمومه أو نخبة من الشعب، وهي بالتالي تفصل الدين عن الحكم وعن التشريع وتحصره في دور العبادة أيًّا كانت، فلا يصبح له علاقة بأيٍّ من السلطات الثلاث.

 

وأما الدولة في الإسلام فلها مفهوم آخر حيث لا بدَّ لها من:-

- وجود خليفة (حاكم) مسئول عن إدارة شئون الأمة وحماية الدين وإقامة الجهاد.

- قاعدة الشورى واحترام إرادة الأمة.

- وحدة الأمة والخضوع لسلطان الإسلام.

 

وهذه أسس أصيلة ومبادئ ثابتة لا يمكن الحيد عنها أو تجاهلها مع اعتبار أن إرادة الأمة وأهل الشورى يجب أن يدوروا مع الشرع أينما دار، فلا رأي لهم ولا قرار إلا فيما لا نصَّ فيه، واجتهادهم فقط في المستحدث من الأمور التي تحتمل الاجتهاد، وهذا أغلب ما تدور عليه حياة الناس، وهو ما يحكم المشرع والمنفذ.

 

وفيما عدا ذلك فإن للمجتمع مؤسساته وإداراته المدنية جميعًا، والتي يدخل في إطارها المؤسسات التنفيذية للدولة والهيئات والإدارات، وكذلك ما تعارف الناس على تسميته بمؤسسات المجتمع المدني مثل النقابات والجمعيات والأحزاب على تنوع أشكالها وأفكارها، ولكلٍّ أن يأخذ بما يرى من قرارات وقواعد في إطار الدستور والقانون العام دون أن يحد حركته فيها حدود اللهم إلا ما سبق من ثوابت الأمة.

 

أما البعد التاريخي لتطور الدولة في الغرب، والذي وصل بها إلى مفهوم الدولة المدنية، والذي لا يعني بحالٍ من الأحوال إلا إقصاء الدين عن الحكم فهذا لا يتناسب مع مجتمعات كان الدين سببًا في ازدهارها العلمي والفكري والاقتصادي والاجتماعي علمًا بأن مكانة عالم الدين في الإسلام غيرها في المسيحية، فالعالم المسلم يُؤخذ من كلامه ويرد ويصيب ويخطئ، وقد يخالف في فهمه باقي أقرانه من العلماء فيؤمر بالمعروف ويُنهى عن المنكر ولا قداسة له ولا لما يقول إلا بمقدار ما يوافق الشرع، ولم يدّعِ أحدٌ من علماء المسلمين العصمة على مدار التاريخ، حتى إن أحد أعلام أئمة المسلمين رفض فرض كتاب الفقه الذي بناه على المسلمين جميعًا لعلمه أن اجتهاده قد لا يوافق باقي الأقطار.

 

ولكن وبرغم ذلك فإن وجود هيئة علماء تمثل جهة مشورة للمسلمين عند اتخاذ القرار لا يتنافى مع مدنية الدولة بحالٍ من الأحوال، خاصةً أن قرارهم قد يحمل اجتهاداتٍ شتى يدور ما سيتخذ من قراراتٍ في فلكها جميعًا، علمًا بأن هذه الهيئة سيكون دورها مثله مثل دور أي هيئةٍ استشاريةٍ متخصصةٍ في الدولة؛ مما تعج بها من هيئاتٍ بحثيةٍ مثل المجالس القومية المتخصصة وهيئة مستشاري الرئيس والحكومة.

 

وإذا كنا نجد في أوروبا الآن، وفي ظل هذا التحلل الكامل من الإشراف الديني والأخلاقي على البحث العلمي مَن يناهض لاأخلاقية العلم في بعض الأحيان، وحدث هذا في قضايا كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر أطفال الأنابيب، ونقل الأعضاء البشرية، والاستنساخ، فلماذا نجد مَن يلوم الإخوان على برنامج يتبنى وجود هيئة كبار علماء منتخبة لها رأي استشاري، مع العلم أن هذا واقع معمول به حاليًا في البنوك الإسلامية دون أن يعترض أحدٌ على وجودها مع نجاح هذه البنوك في جذب الاستثمارات؟!!

 

مع العلم أن بين الأمة علماء مجتهدين أفذاذًا صلتهم بالبحث العلمي وحفز العلماء ومساعدتهم لا تُنكر، بل ولهم اجتهادات فيما يخص الأمور الحياتية والعلاقات الإنسانية والبحث العلمي أنارت السبيل لعلاج الكثير من الخلل في فهم المسائل المرتبطة من الدنيا بالدين.

 

ولا يحتج محتج على الإخوان بفرضية عدم وجود أمثال هؤلاء في المستقبل، وبذلك ستواجه السياسة ومدنية الدولة بعلماء يحجرون على الفكر ويغلقون أبواب البحث العلمي؛ لأن هذه الأمة ولادة، ولم يخل المجتمع على مدار التاريخ من تلك الفئة القائمة على الحقِّ لا يضرهم مَن خذلهم، خاصةً في ظلِّ كون هذه الهيئة ستتكون من علماء منتخبين بمعنى أن رأيهم مستقل بلا ضغوط، وفي ظل الثورة المعلوماتية العالمية التي تتيح تدفق المعلومات بصورةٍ لا تترك غموضًا في مسألةٍ من المسائل لمَن يتقدم للاجتهاد.