جزاك الله خيرًا يا أخي الدكتور محمد جمال حشمت؛ إذ رفعت عني ركامات من الحزن وأنا اقرأ كلماتك الآتية:

"كلما زرت الإخوان في سجون مبارك تعظم في عيني تلك الدعوة التي ربَّت هؤلاء على مختلف أعمارهم وبيئتهم، فما من مكانٍ زرته إلا وأجد مَن يأخذني على جنبٍ بقوله لا مهادنة، ولا تزلف، ولا تنازل بسبب وجودنا هنا، فنحن في أحسن حالٍ أعانكم الله في الخارج؛ فلا تنشغلوا بنا ولا تعتبرونا نقطة ضعف لكم، بل قولوا كلمة الحق، وقفوا وقفةَ الحق، ولا تخشوا في الله لومة لائم، فأجد نفسي بجوارهم صغيرًا، وفي كنفهم فقيرًا فاستمد منهم القوة، والحب، والشموخ، والاعتزاز بالانتساب لله منهجًا وسلوكًا، وأخلاقًا، وحري بدعوةٍ تضم مثل هؤلاء أن تعلو وتسمو، وأن يحقق الله على أيديها الخير كل الخير لمصر وشعبها، فهل نكون عند حسن ظنهم ونلبي نداءهم؟".

 

أقول جزاك الله خيرًا؛ فقد صدقت وحولت ما كان في نفسي ظنًّا إلى يقين راسخ لا يهتز: فأنا أنظر إلى وجوه هؤلاء فلا أجد إلا وجوهًا ناضرةً، إلى ربها ناظرة، أراها وجوهًا متدفقة بالرضا واليقين، وأرى رءوسًا شامخةً باستعلاء الإيمان، ولا أملك- وأنا قعيدٌ في بيتي- إلا أن اكتب كلمات جعلتُ عنوانها "رسالة إلى أصحاب العزة وراء الأسوار":

 

أيها الأعزاء.. أصحاب العزة، أنتم تعلمون أن العرف الغالب في مجتمعنا المنكوب ألا يخاطب بـ"صاحب العزة" إلا من كان "ذا حيثية رياسية، أو منصبٍ كبير".. يجعلها الصغير في صدر طلبه، أو التماسه من أجل مطلبٍ دنيوي في مجال العمل، أو التوظف، وهي عزةٌ شكلية بل هي عديمة الوجود.

 

أما أنتم فأصحاب الإباء والعزة الشماء؛ لأنكم تسمون باستعلاء الإيمان، ولا تحنون رءوسكم إلا للعزيز الحكيم ﴿قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)﴾ (آل عمران).

 

وكانت استجابة السماء من فضل الله بحكمٍ حاسمٍ يملأ الأرض والسماء ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (المنافقون: من الآية 8).

 

يا أصحاب العزة: ما أجلَّ إباءكم، وما أعظم عزتكم؛ لأنها نابعة من عزة الله، وما أرفع قدركم إذا قرنكم الله برسوله:

أنْعِم بقومٍ رسول الله سيدهم=

               إذا تفرقت الأهواءُ والشيعُ

 

ولسان حالكم يقول مع عبد الله بن رواحة- رضي الله عنه-:

وفيـنا رسـول الله يتلو كتابه =

            إذا انشق معروف من الفجر ساطعُ

  أرانا الهـدى بعد العمى فقلوبنا =

           به موقنـات أن مـا قـال واقـعُ

  يبيت يجافي جنبه عن فراشه =

             إذا استثقلت بالكافـرين المضاجعُ

وكأني بكل منكم يهتف بلسان المقال، ولسان الحال: 

  في ضميري دائمًا صوت النبيْ =

              آمرًا جاهـد، وكـابد، واتعـبِ

  صائحًا غالب وطالب وادأبِِ

              هاتفًا: كـن دائمًا حـرًّا أبـيْ

***

يا أصحاب العزة: هناك نوعان من العزة يرفضهما إسلامنا: العزة الجاهلية، والعزة الفرعونية.

والأولى تعتمد على العصبية الفاجرة، والتفاخر بالنسب والآباء، ومنطق أصحابها هو: 

  بغاةً ظالمين ومــا ظُلِمنا =

                     ولكنـا سـنبـدأ ظـالمينا 

  لنا الدنيا ومن أمسى عليها =

                    ونبطش حين نبطش قادرينا

 

ومن أجل ذلك عاشوا في تطاحن وعراك، وحروبٍ وشقاق، وهذا ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (2)﴾ (ص).

 

وفي فتح مكة أعلن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلغاء هذا النوع المنكود من العزة: فخطب أهل مكة يوم فتحها، فقال: "أيها الناس: لقد أذهب الله عنكم عُبِّيَّة (حالة) الجاهلية، وتعاظمها بآبائها، فالناس رجلان: برٌّ تقيٌ كريمٌ على الله، وفاجرٌ شقيٌ هينٌ على الله. والناس بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب".

 

والنوع الثاني: هو العزة الفرعونية القائمة على التوثن الذاتي، والتآله، والغرور، والنظر إلى الشعب كعبيد، أو نعام تُساق... إنها العزة التي حلف بها السحرة﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44)﴾ (الشعراء).

 

ولم يبق إلا عزة الإسلام: استعلاءٌ بلا غرور، وتواضعٌ بلا ضعة، وقوة بلا ظلم، وإيمانٌ أقوى من الشم الرواسي.

 

أتذكرون- يا أصحاب العزة- يوم أرسل هرقل الروم إلى هارون الرشيد: "... لأحاربنك بأوسخ الناس رعاة الدجاج، والخنازير..."؟ أتذكرون أن هارون الرشيد كتب إليه رادًّا عليه: "من أمير المؤمنين هارون الرشيد إلى كلب الروم... أما بعد: فوالله لأحاربنك بقومٍ يحبون الموت كما تحبون الحياة، ويحرصون عليه كما تحرصون على شرب الخمر. وإن الخبر ما ترى لا ما تسمع، يا ابن الكافرة"؟.

 

إنه ينطلق من منطلق الاستعلاء الإيماني لا الادعاء الكاذب.. لقد كنا في عصور العزة، والاستعلاء نرسل الجيوش مرفوعة اللواء، فأصبحنا الآن- في عصور الغربة والكربة- نستقبل الجيوش محنيين أذلاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

يا أصحاب العزة: أنتم وراء الأسوار... ونحن خارج الأسوار... وكلانا- والله يا أصحاب العزة- في سجن: فسجنكم على رقعة من الأرض محددة، سموها: طرة، أو مزرعة طرة.. أو ما شاءوا من الأسماء، ونحن خارج الأسوار في سجنٍ واسع اسمه: مصر. ولكن يشاء الله أن تجعلوا من المحدود رحيبًا ممتدًا؛ لأنكم رزقتم الطمأنينة، وتعايشون نور القرآن، وتصنعون بالمحبة مجتمعًا، بل مشروعًا "للدولة الإسلامية"، فزدتم إيمانًا وصبرًا، وثباتًا وعلمًا، ويقينًا، وطمأنينةً، وكل هذه القيم الرحيبة جعلت من رقعة السجن عالمًا شفيفًا بلا حدود.

 

أما نحن خارج الأسوار فنعيش في مضيق الطوارئ، تحت تهديدِ زوار الفجر، وشياطين الأمن في عالم من الكروب والكذب، والتزوير، والادعاء:

فقد بُلينا بحكامٍ غدَوا أُسُدًا

           على الشعوب، نعامًا في أعادينا

الآمرون بلا أمرٍ يُطاعُ لهمْ

          فالأمرُ أضحى لأمْريكا وشارونا

لا تذكرن بهم إلا جبابرة

          من البغاة كفرعون.. وقارونا

قد أنكروا الحقَّ والأجدادَ من سَفَهٍ

         وحقَّروا عيْنَ جالوتٍ وحطينا

واستعبدوا الشعبَ واجتاحوا كرامته

        وصادروا الفكر، واغتالُوا القوانينا

ثم ازدهَوْا ببطولاتٍ مزيفةٍ

       بها انتكسنا وعشنا في مآسينا

قالوا: "السياسةُ فنٌّ نحن سادتُه

       وقد صنعنا لنا منها أفانينا"

قالوا: "الزعامةُ فينا" قلتُ: "ويلكمو

        سُحْقًا لذئبٍ غدا بالنابِ راعينا"

إن الزعامة إصرارٌ بلا وَهَنٍ..

        لا أن تكون بما جمَّعتَ مفتونا

إن الزعامة إيمانٌ.. وتضحيةٌ

        وقدْوة بكتابِ الله تهدينا

إن الزعامة إيثارٌ.. ومرحمةٌ

       وأن تجوع لكيْ تقْري المساكينا

فالكلُّ من ظلمهم قد بات مغتربًا

        والحرُّ في أرضه قد عاشَ مطحونا

ولا كرامة إلا للألَى سجدوا

         وهللوا للزعيم "الأنْسِِ" آمينا

***

ومن عجبٍ أن يقال: إننا نعيشُ أزهى عصور الحرية والديمقراطية، وأن الحكومة توفر للشعب كل ما يجعله يعيش في سلامٍ وطمأنينة، ورفاهية. وهذا يذكرني بجزءٍ من مشهد في مسرحيتي "محكمة الهزل العليا تحاكم الأيدي المتوضئة"، ففي بداية الجلسة الأولى يقرأ القاضي- رئيس المحكمة- فرمان الرحمة. فلنستمع إليه يقول:

فرمان الرحمة يهديه الملك المنصورُ

لشعب الوطن الغالي:

الرحمة فوق العدل

والإنسانية فوق الدستور وفوق القانون

ولذلك باسم الشعب أصدرنا نحن

الملك المنصور الفرمانَ الآتي:

1- تشكيل المحكمة نهائيٌّ

لا يقبل أن يُعترض عليه.

2- أحكام المحكمة العليا لا تخضعُ لاستئناف أو نقض.

3- لا يلتزم المشنوقُ بدفع تكاليف الشنقْ،

بل هيئة تنظيم الأسرة تتكفل بالدفع.

4- يستخدمَ في الشنقِ حبالٌ مستوردة

من أرقى الأنواع تليقُ بشعبٍ سَبقَ العالَمَ في الفنِّ

وفي العلم، وفي المعمارِ وفي التوحيدْ.

5- لا يستخدم حبل واحدُ في الشنقِ لأكثرَ من مرة.

6- من حق المشنوقِ تخيرُ لونِ الحبلْ.

7- نفقاتُ الدفنِ مناصفة بين الدولة والورَثَةْ.

8- تتحمل دولتنا مسئوليةَ أيلوِلة أموال المشنوقِ لمصلحةِ الشعبْ.

وختامًا عاش الملكُ وعاشَ الشعبْ..

توقـيع

الملكُ المنصور طويل العمر

****

يا أصحاب العزة: لقد كانت الدولة الإسلامية في عهد النبي- صلى الله عليه وسلم- والراشدين تقوم على أساس "التكامل" ففيها القائد العسكري الفذ كخالد بن الوليد، وأشهر علماء الأنساب كأبي بكر، والإداري العبقري كعمر بن الخطاب، وأقرأ الناس، وأكتب الناس "أي أحسنهم قراءة وكتابة" كزيد بن ثابت، وأعلم الناس بالفرائض كعلي بن أبي طالب، وأحفظ الناس لكتاب الله كعبد الله بن مسعود، الذي كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يحب أن يسمع القرآن منه. وراوية الأحاديث كأبي هريرة، وأشعر الناس كحسان بن ثابت، ومن عجب- يا أصحاب العزة- أن في "مجتمعكم الأربعيني" من الكفايات والتخصصات المتكاملة ما يصنع دويلة إسلامية إن شاء الله.

 

وأقسم يا أصحاب العزة أنكم أطول أعمارًا من سجانيكم وظالميكم... نعم كلكم أطولُ عمرًا منهم جميعًا. ألا لا يعترضن أحد قائلاً: إن الأعمار من المغيبات، وإن لكل أجلٍ كتابًا. فأنا أقول: آمنت بالله، وآمنت بالغيب، ولكني أقول: ألم يقل الشاعر:

  ومن وعى التاريخ في صدره =

                أضاف أعمارًا إلى عمره

فما بالكم وأنتم الآن تعيشون القرآن متلوًّا مقروءًا، وتعيشون القرآن حكمًا ودستورًا، تعيشون القرآن روْحًا وريحانًا، وعطورًا ونورًا، وبذلك تعيشون سنوات حية، تتدفق بالإيمان، وصالح الأعمال. أما هم فيعيشون أيامًا هالكةً... أيامًا مُنكرةً منكودةً، بلا ذمة، وبلا ضمير، وبلا طمأنينة وبلا شعورٍ بمسئولية، وبلا ولاء للوطن والشرف، إنما هي حياة ضائعة ... هالكة ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف: من الآية 179).

 

وما أعظم الفارق الهائل بينكم وبينهم، وبين حياتكم وحياتهم: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ (20) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (21) وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ....﴾ (فاطر: من الآيات 19-22).

***

فطوبى لكم يا أصحاب العزة، وزادكم الله إيمانًا وحبًّا، وطمأنينةً، وجزى الله خيرًا أخانا الحبيب الدكتور محمد جمال حشمت الذي ألهمتني كلماته هذا المقال... جزاك الله خيرًا يا أخانا الحبيب وأنت تكتب قائلاً: "كلما زرت الإخوان في سجون مبارك تعظم في عيني تلك الدعوة التي ربت هؤلاء على مختلف أعمارهم وبيئتهم، فما من مكان زرته إلا وأجد من يأخذني على جنب بقوله لا مهادنة، ولا تزلف، ولا تنازل بسبب وجودنا هنا، فنحن في أحسن حال أعانكم الله في الخارج؛ فلا تنشغلوا بنا ولا تعتبرونا نقطة ضعف لكم بل قولوا كلمة الحق، وقفوا وقفة الحق، ولا تخشوا في الله لومة لائم، فأجد نفسي بجوارهم صغيرًا، وفي كنفهم فقيرًا فاستمد منهم القوة، والحب، والشموخ، والاعتزاز بالانتساب لله منهجًا وسلوكًا، وأخلاقًا، وحري بدعوة تضم مثل هؤلاء أن تعلو وتسمو، وأن يحقق الله على أيديها الخير كل الخير لمصر وشعبها، فهل نكون عند حسن ظنهم ونلبي نداءهم؟".... أعتقد- يا أخي الحبيب- أن سؤالك هذا من قبيل "تجاهل العارف"، فكل أخ من الإخوان يقول- بلسان مقاله ولسان حاله- إنها بيعة لا تذبل، وعقد لا تنفصم عراه....

 فعقدي ساريَ المفعو = لِ، لا عامين أو قرنا

 بنور الله صُغنــاهُ = فلن يبلَى ولن يفنى

 ينص على النضال المرّ = للإسلام ما عشنا

 وغايتنـا رضاءُ اللـ = ـه فهْو الفوزُ والحُسنى

والحمد لله رب العالمين.

-----------

* komeha@menanet.net