مصر السياسة الداخلية

شهدت العلاقة بين الحكومة والإخوان في الآونة الأخيرة عدة عمليات قبض وتوقيف، ورغم أن لكل عملية سياقها الخاص، فقد تم إرجاعها إلى وجود اتجاه حكومي نحو تبني نموذج جديد في العلاقة بين الطرفين يتسم بالتشدد الأمر الذي يثير تساؤلاً حول إمكانية تبني مثل هذا النموذج وماهية الدوافع التي قد تؤدي إلى تشدد تجاه الجماعة.

ومن هذه الأحداث تجديد حبس 101 من المواطنين لمدة 15 يومًا بتهم إثارة الشعب خلال الانتخابات التكميلية لمجلس الشعب عن دائرة الرمل بمحافظة الإسكندرية،  ومقاومة السلطات وإتلاف المال العام.

ثم توقيف واعتقال 28 شخصاً من بين 30 شخصًا بتهم تتعلق بالسعي لإثارة الجماهير واستغلال القضية الفلسطينية ودفع الجماهير إلى الخروج على النظام الحاكم، وهي ذات التهم التي يحاكم عسكريًا بسببها مجموعة من أساتذة الجامعات في مقدمتهم الدكتور محمود غزلان وتم اعتقالهم في نوفمبر الماضي على خلفية الغضب الشعبي ضد إسرائيل بسبب مذابحها ضد الشعب الفلسطيني.

ثم توقيف 35 من الإخوان معظمهم من طلبة إحدى الجامعات في منزل على الطريق الصحراوي بين القاهرة والإسكندرية بتهم الانتماء إلى جماعة غير شرعية ومحاولة إحيائها إضافةً إلى قيامهم بتدريبات بدنية.

إلا أن أخطر الاتهامات التي تأتي من قبيل الدعاية ضد الجماعة في محاولة لإثارة الشبهات حول نزاهة أعضائها تمثل في خبر ضئيل في إحدى أكبر الصحف الحكومية يتعلق باتهام أحد الإخوان باختلاس أموال عامة، ومن المعروف أن المحاكمة في هذه القضية تستمر حتى بعد أن يرد المختلس ما اختلسه من أموال، إلا أن هذا الخبر حمل تناقضًا يتعلق بأن المتهم تم الإفراج عنه بعد رده المبلغ.

نموذج قديم جديد:

وتأتي هذه الحملة كما تسميها أوساط إعلامية محسوبة على الحكومة - في سياق الاحتفال باليوبيل الذهبي لثورة 23 يوليو تلك الثورة التي وضعت لنفسها عدة أهداف لم يستطع العهد الأول إنجاز بعضها فيما تجاوز العهد الثاني بعضها الآخر مما أدى إلى أن يحمل العهد الثالث ميراثًا ثقيلاً ساعد مع عوامل أخرى عديدة في تجاوز الأهداف كافةً والتحول عنها وقد أطلقت بعض الأقلام على هذا الوضع عبارة "ثورة أكلها أبناؤها قبل أعدائها".

غير أنه من الملاحظ أنه في وسط أجواء هذه الاحتفالات الشكلية تم استعادة الإخوان كأعداء للنظام السياسي من خلال نشر الرواية الحكومية عن العلاقة بين نظام الثورة والجماعة والتي لا تتحدث عن الجماعة باعتبارها أحد التيارات الوطنية النهضوية والاستقلالية أو عن تلك العلاقة باعتبارها تدافعًا من أجل تحقيق العدل والتنمية ولكن باعتبار الجماعة رجعيةً، مواليةً للقصر قبل الثورة (وفي أحيان أخرى مواليةً للاستعمار الإنجليزي) وأن ما كان من أحداث اعتقالات وإعدامات استهدفت الإخوان لم يكن بيد النظام وإنما فرضه الإخوان على أنفسهم لأنهم أرادوا هذا الاستقرار عن طريق التنظيم السري وفرض الوصاية على النظام كخطوة أولي نحو انتزاع الحكم.

وهذه الرواية بالطبع لا تهدف سوى إلى التأكيد على أن أسلوب الصدام ثم التحجيم هو الأسلوب الوحيد الذى يعتمده النظام مع الجماعة ومن هنا يأتي أحاديث أوساط حكومية من أن الحملة استهدفت قادةً فاعلين في النشاط التنظيمي دون الذين يقتصر عملهم على التعاطي مع وسائل الإعلام.

لكن تظل هذه الرواية غير متوافقة مع طبيعة الأحداث بما يعني أن هناك عوامل أخرى يتم إخفاؤها عمدًا أدت إلى توقيف هذا العدد الكبير من أعضاء الجماعة ستأتي الإشارة إليها لاحقًا - ذلك أنه وإن كان التوقيف والاعتقال يستهدف الضغط على الجماعة إلا أن كل عملية اعتقال من العمليات الأخيرة كان لها سياق خاص بها فمن القبض على المواطنين يريدون ممارسة حقهم في التصويت في الإسكندرية إلى اعتقال ثلاثين شخصًا من محافظات القاهرة الكبرى إلى توقيف 35 شخصًا معظمهم من طلبة الجامعة.

ويمكن القول أن الجامع الوحيد لهذه العمليات - أو الحملة - يتمثل في أنه نموذج قديم وجديد تتبعه النظم الحاكمة يهدف تحجيم الجماعة ووقف حركتها وبما يعني ليس إعاقتها في أهدافها التي اختطتها لنفسها فقط وإنما إعاقة أي تيار وطني معارض عن النمو في ظروف طبيعية غير استثنائية، وهذه الإعاقة قام بها كل عهد من العهود الثلاثة ضد الإخوان، بعد فترة من الانفراج في بداية العلاقة بينهما.

لذلك ينظر البعض إلى تلك الأحداث على أنها لا تعبر عن منحيً جديد في العلاقة فحملات التشويه في وسائل الإعلام والقيود القانونية مثل فرض الحراسات على النقابات وقانون النقابات وتعديلاته (ثم قانون الجمعيات الأهلية) والمحاكمات العسكرية ظلت تمارس منذ النصف الأول من عقد التسعينات ولم تتغير أي من الأساليب التي تهدف إلى حصار وجود الجماعة في المجتمع الأهلي بحيث تحرم من أي ظهير حزبي وكذلك من الوسيلة التقليدية في الدعوة الممثلة في المسجد.

بيئة العمليات:

ورغم ذلك لا يمكن التقليل من أن الحملة الأخيرة ربما تهدف إلى أهداف أخرى تتفرع عن هدف الحصار الرئيسي وترتبط هذه الأهداف بحدوث متغيرات داخلية وخارجية ومنها:

أولاً: جاء الخبر الضئيل عن اختلاس أحد الأشخاص لمبالغ مالية في سياق الحديث عن مكافحة الحكومة للفساد والذي شمل عدة قضايا من بينها القبض على أحد المدراء في جهاز التلفاز بتهمة تلقي رشاوي وحبس بعض المسؤولين في محافظة البحر الأحمر بتهمة اختلاس 1.9 مليون دولار وإحالة عشرين شخصًا إلى محكمة أمن الدولة العليا بينهم الرئيسان السابق والحالي لمجلس إدارة شركة النصر للمسبوكات بتهمة سرقة 302 مليون دولار من المال العام.

وبغض النظر عن تقييم هذه القضايا أو اعتبارها فروعًا لظاهرة ضربت بجذورها في الفضاء السياسي والاقتصادي للبلاد فإنها تأتي مواكبة لإجراءات حكومية تستهدف إصلاح الحزب الوطني الحاكم من خلال تطوير بناه التنظيمية وإجراء الانتخابات الداخلية وهي الإجراءات التي ستنتهي بعقد مؤتمر عام في سبتمبر المقبل يقوم بمبايعة الرئيس مبارك.

وبذلك فإن القيام بكلا الأمرين في ذات التوقيت ضبط بعض قضايا الفساد وإجراء الإصلاحات في الحزب الحاكم في ضوء ربطها بالدعاية للحكومة من جهة والدعاية المضادة ضد التيارات المعارضة من جهة أخرى لا تستهدف أكثر من تكريس ظاهرة التأبيد في السلطة التي تتميز بها البلاد في عهود الثورة الثلاث.

ثانيًا: ويرتبط هذا بالنظرة السائدة للأوساط الحكومية تجاه الإخوان والتي تتمثل في أن الإخوان يعتبرون منافسًا حقيقيًا على السلطة وربما تحولوا إلى القوة الوحيدة المطروحة فعليًا على الساحة الشعبية وهذا ما جعل الجماعة تنتقل من مركز الاستقطاب السلمي إلى موقع القوة المعادية في مفهوم العهد الحالي.

ولم ينعكس ذلك على الشدة في الأساليب والمواجهة المتبعة وإنما أيضًا في الدعاية ضد الجماعة من خلال تشويه تاريخها وتصويرها على أنها صاحبة فكر متطرف خرجت من عباءتها الجماعات المتشددة كافة.

وقد واكب ذلك التحول السلمي الذي أظهرته الجماعة الإسلامية من خلال مراجعاتها الفكرية التي أدت إلى نبذ العنف واستغلت الأوساط الحكومية عامةً والأمنية خاصةً هذا الأمر في الدعاية إلى أنه ما لم يستجب الإخوان لمطالب الحكومة بإجراء تغييرات فكرية وتنظيمية على غرار ما حدث مع تلك الجماعة فإنها قد تكرر ذات السيناريو الذي يقال إن السادات اتبعه ويتمثل في إفساح هامش حرية أكبر للإسلاميين بهدف تقليص نفوذ اليسار.

وبذلك فإن الحكومة لا تريد أن يمثل الإخوان النموذج المعتدل الوسطي - وهم بالفعل كذلك - وإنما تحولهم إلى إسلاميين معدلين - لا معتدلين - يتعايشون ليس مع الهيمنة الغربية فحسب وإنما مع الواقع المتأزم وقبول الروايات الحكومية التي تزعم تغييره إلى الأفضل دائمًا.

ثالثًا: والأهم أن هذه الحملة ترتبط بأجواء 11 سبتمبر حتى إذا قلنا أن بعض عمليات التوقيف ارتبط بالانتخابات وبعضها الآخر كان بضربة حظ مثل عملية توقيف طلبة الجامعات ذلك لأن الحكومة تصورها بأنها تأتي في سياق دورها في محاربة الإرهاب.

ورغم أن الحكومة مازالت تطالب بعقد مؤتمر دولي لتعريف الإرهاب إلا أنها تتصور أن هذه الحملة تأتي بنتائج إيجابية رغم أنها قد تستغل للتشهير بها من جانب المنظمات الحقوقية مستقبلاً، فمن ناحية معروف أن مصر قد نالت هجومًا أمريكيًا قاسيًا بعد 11 سبتمبر واتهمت بأنها مهد الأصولية في العالم وأن إجراءاتها ضد الحركات المتشددة أدت إلى خروجهم منها وقيامهم بعمليات ضد المصالح الأمريكية.

صحيح أنها حملت بإجراءات محددة مثل تغيير اللغة الإعلامية والمناهج التعليمية إلا أن الحكومة تعتبر مراجعة الجماعة الإسلامية وزيادة وتيرة إجراءات التحجيم ضد الإخوان من قبيل هذه الإجراءات التي تؤكد وقوفها ضد الإرهاب وتلميع الوجه أمام واشنطن.

ومن ناحية أخرى فإن الاتهامات المتعلقة باستغلال قضية فلسطين تعني أن الحكومة تهدف إلى التأثير على الإخوان فيما يتعلق بتحجيم أنشطتهم المؤيدة للقضية خاصةً بعد أن كثر الحديث عن دور مصري أمني في فلسطين يتم وفق ترتيبات أمنية إقليمية وأعلنت اللجنة الرباعية في هذا السياق عن عزمها إرسال خبراء من أجهزة المخابرات المصرية والأردنية والسعودية تحت قيادة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لمساعدة سلطة عرفات على إجراء الإصلاح المطلوب وهذا يتناقض مع طموحات الشعب الفلسطيني لأن هذا الإصلاح سوف يتمخض عن جهاز أمني يستهدف المقاومة.

بتعبير أخر فإن حملة الاعتقالات بعد 11 سبتمبر ومن بينها مجموعة قدمت لمحاكمة عسكرية تهدف إلى انكفاء الجماعة على نفسها وتقليص أنشطتها المؤيدة لقضية فلسطين من جهة وإلى التأكيد للولايات المتحدة أن القاهرة تمارس دورها في محاربة الأصولية ومنع انتشارها من جهة أخرى بما يتطلب دورًا أمريكيًا مقابلاً يتمثل في حل قضية فلسطين على اعتبار أن عدم الحل هو الذي أدي إلى نمو وانتشار الجماعات الإسلامية غير أن الإدارة الأمريكية لم تطرح أية إشارة على سعيها إلى الحل أو قبولها لهذا المقايضة نظرًا لأن الجميع يعلم أن الإرهاب ليس سوي شعار لمرحلة يتم فيها ضرب القوي الوطنية المناهضة للسياسات الأمريكية والإسرائيلية.

بناءً على ما سبق يمكن القول أن السياسة الأمنية تجاه الإخوان تحكمها أمور تقديرية متصورة وليست أمور واقعية فعلى سبيل المثال نجد أن النظرة السائدة للإخوان تصور على أنها علاقة صراعية بين نظام سياسي وبديل له وليس علاقة تنافس بين تيارات وطنية بالكيفية التي تصب في تحقيق مصالح البلاد كذلك فإن تحجيم الجماعة يتم تسويقه حاليًا على أنه من قبيل مكافحة الأصولية وانتشارها والمطلوب في المقابل أن تتحرك الولايات المتحدة لإقرار تسوية معقولة على اعتبار أنها تملك أوراق الحل. وناهيك عن مناقشة الدور الحقيقي للولايات المتحدة وهل تملك أوراق الحل أم لا ؟ مع أن الحملة السياسية أثبتت أنه يمكن استغلال كل من الغضب الشعبي وتحركات التيارات المعارضة عمومًا والإخوان خصوصًا للضغط على إسرائيل للحصول على مزيد من الحقوق باستمرار للشعب الفلسطيني.

وفي حال اتفاقنا على أن تلك السياسة تهدف إلى حصار الجماعة وإعاقة النمو الطبيعي لها وتبرير الممارسات الأمنية بطريقة دعائية تهدف إلى تشويه تاريخ ونضال الإخوان، وأن البيئة الحالية أضافت عاملاً آخر متصورًا يتمثل في أن الحملات ضد الإسلاميين يتم تسويقها على أنها تتم خدمةً للقضية الفلسطينية من خلال مقابل ستقوم به الولايات المتحدة لإقرار تسوية في حال استمرار هذه الحملات - في حال اتفقنا على هذا - يمكننا القول أن الشق الأول في سياسة الجماعة المتمثلة في ترسيخ قواعد الجماعة في المجتمع والحفاظ على وجودها صار يحتاج إلى مزيد من العمل لتأكيده وزيادة حجمه ورقعته، أما الشق الثاني المتمثل في استيعاب ضغوط النظام فقد أصبح يحتاج إلى زيادة وضوح وإيضاح بعد أن اعتبرت أوساط حكومية أن توبة الجماعة الإسلامية يمكن تكرارها مع الإخوان بعد أن فسروا تحركات الجماعة الإسلامية عقب كل ضغوط أمنية بأنها تمثل نتائج إيجابيةً لصالح الحكومة.

صحيح أن الحرب التي بدأت ضد الجماعة منذ منتصف التسعينيات قد أثبتت قدرةً على الاستمرار إلا أن الواقع المعقد حاليًا والذي يشير إلى تداخل خارجي وداخلي من جهة والسعي لإعاقة نمو الجماعة من جهة أخرى يستلزم تحركًا فكريًا بالأساس من أجل الخروج  بالبلد من موقف لا تستفيد منه سوى أقلية سياسية في البلاد فيما تستمر تداعياتها السلبية حاضرًا ومستقبلاً.

صحيح أيضًا أن هناك عوامل داخليةً معينةً كاستمرار تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وأخرى خارجيةً مثل استمرار إسرائيل في سياساتها العدوانية قد يؤديان إلى الضغط على النظام من أجل فك قيود مفروضة على الحركات الوطنية والإسلامية مما يسمح لها بهامش من الحرية الأمر الذي يعني وضع هدنة من جانب النظام مع الحركات الإسلامية.

إلا أن هذا جميعه يجب أن يحفز على بذل المزيد من الحكمة، إضافةً إلى التقويم الموضوعي للعمل وإحكام الحلقات والصلات وتأكيد الوعي بسياسة الجماعة.

22 من جمادى الأولى 1423هـ

31 من يوليو 2002م