قامت جماعة الإخوان المسلمون بطرح برنامجها الحزبي على عددٍ من المفكرين والكُتَّاب لأخذ رأيهم والاستنارة بالملاحظات التي يبدونها حتى يتم أخذها في الاعتبار قبل أن يعرض البرنامج على الجمهور، وبما أن النخبة المثقفة التي عرض عليها البرنامج هم طليعة الفكر والرأي في مصر على اختلاف توجهاتهم السياسية والفكرية فإن المأمول من هذا الطرح الخلوص لأهم الملاحظات والتحليلات التي يمكن أن يخرج بها المفكرون من هذا البرنامج، وعرض البرنامج على هذه النخب له عدة دلالات:
1- احترام الجماعة وتقديرها لهذه النخب وبذلك تكون الجماعة قد سجَّلت هدفًا في مرمى القائلين بأن الجماعة معزولة وغير مندمجة مع النخب المثقفة وتستأثر بالرأي والفكر وكأنها وحي منزل.
2- إشراك المفكرين وأصحاب الرأي في صياغة البرنامج؛ لأن أي ملاحظاتٍ مهمة سيتم أخذها في الاعتبار ووضعها في البرنامج، وبذا تكون بصمات أصحاب الرأي قد وضعت في البرنامج.
3- الزخم الفكري والموضوعي الذي ينتج عن التجاذبات بين البرنامج والمفكرين مما يُثري الحياة السياسية وينعكس بالإيجاب على البرنامج.
غير أن النتائج الأولية لرؤية الكُتَّاب والمفكرين كانت صادمةً لحدٍّ ما للأسباب الآتية:
أولا: لم يُطلَب من المفكرين نقد البرنامج، ولكن طُلب رأيهم في البرنامج كقراءةٍ أولى قبل أن ينزل للجمهور، ولكن فوجئنا بأنهم ينتقدونه ويطرحونه هم للجمهور بهذا النقد، وكأنَّ البرنامج في صيغته النهائية.
ثانيًا: يبدو أن مجموعةً كبيرةً من الكُتَّاب لم تقرأ البرنامج أو قرأته على عجل؛ لأنهم قاموا بانتقاء بعض الأفكار وصبوا عليها جام غضبهم وبخاصةٍ المتعلقة بهيئة كبار العلماء وتولي المرأة والأقباط للولاية العامة لأن طرح هذه الأفكار لم تستغرق سوى صفحةٍ واحدةٍ والبرنامج أكثر من مائة صفحة.
ثالثًا: لم يتفوه أحدٌ من هؤلاء الكُتَّاب عن أي إيجابيةٍ ممكنةٍ في البرنامج، بل عملوا بالمثل القائل "أول القصيدة كفر"، فلم يبرحوا مكانهم في نقدِ ما يريدون انتقاده.
وحتى نُبيِّن لماذا هذا البرنامج مفترى عليه، وجب توضيح الآتي:-
1- البرنامج قراءة أولى للمفكرين والمثقفين قبل أن ينزل للجمهور حتى يتم تعديله وإخراجه في الصياغة النهائية.
2- تحديد رئيس الجمهورية بأن يكون مسلمًا ليست بدعةً، وهو معمولٌ به في كثيرٍ من الدول، وإلا لماذا يحدد الدستور اللبناني رئيس الجمهورية بالمسيحي الماروني.
3- رحمةً بالمرأة لظروفها وتكوينها حيث لا تتحمل مسئولية الولاية العامة وبخاصة رئاسة الجمهورية وطبيعة المجتمعات تختلف من مكانٍ لمكان، وإلا فقل لي لماذا فشلت في الحصول على مقاعد مناسبة في أي انتخاباتٍ في مصر.. هذا إذا سلمنا جدلاً بأن الأمر محسومٌ من الناحية الفقهية لتولي المرأة المناصب العليا في البلاد؟
4- من الناحية العملية حتى لا أكون مجافيًا للواقع من المستحيل أن يتولى رئاسة الجمهورية مسيحي أو امرأة حتى ولو بعد مائة عام في مصر لطبيعة المجتمع الذي نعيش فيه، فهو مجتمع ذكوري والأغلبية الساحقة منه مسلمة (95 %)، وحتى لا نذهب بعيدًا بالنسبة لوضع المرأة في مجتمعاتنا الشرقية أذكر فقط للذين يتشدقون بالديمقراطية على الطريقة الأمريكية؛ حيث ترشحت لأول مرة امرأة كنائبةٍ للمرشح الرئاسي للحزب الديمقراطي وولتر مونديل عام 1984م وهي جيرالدين فيراروا وكانت سببًا مباشرًا للهزيمة المدوية التي لحقت بالديمقراطيين أمام الجمهوريين، وأذكر أن النكات اللاذعة انتشرت بسرعة البرق في الولايات المتحدة الأمريكية أثناء الحملة الانتخابية إذ كيف ستتصرف نائبة الرئيس في شئون البلاد في حالة غياب الرئيس وهي حامل أو في حالة وضع؟ وهذا يدل على أن المجتمع الأمريكي ذكوري وليست مجتمعاتنا فقط.
5- ألا ترى أن الإخوان كانوا صادقين مع أنفسهم ومع الناس حين وضعوا رؤيتهم لهذا البرنامج وصارحوا الجميع بما يعتقدون دون مواربةٍ أو خداعٍ، وهم يعرفون أن هذه الأطروحات ستسبب قلقًا لدى بعض الاتجاهات، وهذا دليلٌ على حرجِ هذه الفئة وبخاصة العلمانيين واليساريين؛ حيث زعموا أن الإخوان يطرحون ما لا يؤمنون به ويخادعون حتى يصلوا بالديمقراطية للسلطة مرةً واحدة ثم ينقلبوا على هذه الديمقراطية وكأنهم علموا ما في الصدور وقرأوا النوايا وحكموا عليها.
6- لم يتحدث أحد في المحددات أو الجوانب الأخرى في البرنامج، وبخاصةً الجانب السياسي والإصلاحي والاقتصادي، وركزوا فقط على نصف الكوب الفارغ ورفعوا شعار "رمتني بدائها وانسلت".
7- قال الإخوان إن هذا البرنامج هو رؤيتهم لبرنامج حزب للجماعة، ولم يقولوا إنه دستور البلاد القادم أو قرآن منزل من السماء- معاذ الله- فلِمَ كل هذه الضجة المفتعلة حول البرنامج حيث لم يفرضوا هذه الرؤية على أحد.
8- لماذا نتجاهل رأي المواطن العادي الذي ربما أيَّد بقوةٍ ما اعترض عليه بعضُ الكتاب والمفكرين؛ حيث في أي آليةٍ ديمقراطيةٍ يجب الرجوع للشعب لحسم الأمور المختلف عليها؟
9- لماذا تجاهل الكُتَّاب والمفكرون المرجعية الإسلامية لبرنامج حزب الإخوان وكأنهم يريدون تجريد البرنامج من كل ما هو إسلامي فإن قال الإخوان إن مرجعيتهم إسلامية هاجوا وماجوا وزعموا بقدوم الدولة الدينية التي تتحدث بالحق الإلهي.
أزعم بأن الإخوان لو قدموا برنامجًا علمانيًّا- وهذا مستحيل- فيه كل ما يطلبه العلمانيون واليساريون لتمَّ انتقاده بعنفٍ على خلفية..... وما هو الجديد الذي قدَّمه الإخوان؟