لا أظن أن الملك فاروق كان ينوي قتْل الشيخ حسن البنا قبل هذا الحدث الذي سوف أذكره، كما أن الشيخ حسن البنا لم يكن في يوم من الأيام يفكر في أن يأخذ الملك ولم يتمنَّ ذلك، بل كان دائمًا يدعو الله- سبحانه وتعالى- بالشهادة، وكان يريد أن يخرج من الدنيا شهيدًا، وكان الشيخ- رضي الله عنه- بسيطًا في حياته كلها.. في مأكله ومشربه وأثاث منزله، وذلك بإجماع كل من عرفه.

 

وقد حكَى لي أخ- رحمه الله- أنه كان يستمع لمحاضرة حضرها جمعٌ غفيرٌ من كل أنحاء مصر، وفوجئ- كما فوجئ الحاضرون- برجل يجلس بالصفوف الأولى يقول بأعلى صوته: "المشاكل كلها سببها اللي قاعد فوق" (يعني الملك)، فلما سمع الشيخ هذه الكلمة من هذا الرجل ما كان منه إلا أن طردَه، قائلاً: "عملت اللي عليك.. اتفضل"، فلم يكن- رضي الله عنه- يريد إثارة معارك أو صراعات مع القصر، وفوجئنا عام 1949م أن طُبعت نتيجة السنَة الجديدة وعليها صورة الشيخ حسن البنا، ووُزِّعت بكميات كبيرة، ولم يكن من المألوف قبل ذلك التاريخ أن تصدر نتيجةٌ عليها صورةٌ إلا صورة الملك، ليس مثل هذه الأيام يمكن أن تصدر نتيجة وعليها صورة أي رسم حتى لو صورة لاعب كرة..

 

وبلغني أن رجال حاشية الملك التقطوا هذه النتيجة، وذهبوا بها في خبثٍ إلى الملك فاروق ليقولوا له: "هل رأيت صورة الملك الجديد..؟!!"، وأحسب- والله أعلم- أن هذه كانت بدايةَ التخطيط لاغتيال الشيخ؛ لأن السلطة كما يعلم الجميع والمُلْك غريزةٌ وشهوةٌ يهون أمام الحفاظ عليها قتْلُ كلِّ عزيز، وإن كان الأب أو الابن!

 

وهنا أحب أن أذكر حديثًا سمعته من الشهيد سيد قطب؛ حيث يقول: كنت في أمريكا، وكنت أجلس في نادٍ يحضره قمة المفكرين، وكانت طبيعة المكان- على حدِّ تعبير الأستاذ سيد قطب-: "تسمع فيه رنة الإبرة" من شدة الهدوء والوقار، ووجدت جميع الحاضرين في يوم من الأيام في حالةٍ من الفرح والصخب غير العادي، فسألت..؟ فقيل لي: قُتِلَ اليوم رجل هو أخطر إنسان على أمريكا وعلى الغرب، يقول الأستاذ سيد: ذهب تفكيري إلى أن يكون هذا الرجل من أي مكان في العالم إلا أن يكون من مصر، ثم علمت أنهم يسمون هذا الرجل "الشيخ حسن البنا"!!

 

ويستطرد الأستاذ سيد معلِّقًا: كنت مدير مكتب وزير التربية والتعليم، وكان الشيخ حسن البنا أصلاً زميل دراسة؛ حيث تخرَّجنا في كلية دار العلوم، وكنت أعرف أن الشيخ حسن البنا مدرِّس في إحدى المدارس، وأعرف عنه أنه يخطب ويتكلم في الإسلام، ولم أكن قد سمعته من قبل.

 

ويعلق الأستاذ سيد قطب بأن مشهد فرح وخروج قمة التفكير والعقل في أمريكا عن صوابهم لمقتل الأستاذ حسن البنا جعلني شغوفًا لأن أعكف على دراسة كل ما كتب الأستاذ رحمة الله عليه، وقد كانت هذه نقطة تحوُّل الأستاذ سيد قطب من محاولة إعداده ليكون رجل أمريكا في المنطقة، إلى الخط الذي شاء الله له أن يختم له عن طريقه بالشهادة.

 

وختامًا.. بلغني أن الأستاذ سيد رأى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في منامه ليلة تنفيذ الإعدام، وقال له: "تفطر معنا اليوم يا سيد" (رواه صول التنفيذ).