الصورة غير متاحة

 شعبان عبد الرحمن

 

قال القاضي موبخًا المتهم: "إن التحجج بالدين نفاق وخيانة للدين ذاته"، والمتهم هنا ليس واحدًا من مظاليم المحاكم الاستثنائية في دول "لا دين في السياسة، ولا سياسة في الدين"؛ حيث يصبُّ عليه الجنرال رئيس المحكمة جامَّ غضبه بالأصالة عن نفسه، وبالنيابةِ عن "فرعون"!

 

وإنما القضية مختلفة تمامًا في موضوعها وأبطالها، بل ومكانها.

 

قس أسترالي (54 عامًا) اعترف أمام القاضي "ديفيد لوفيل" قبل أسبوعين أنه مارس الجنس مع ابنتيه عام 1991م، منذ كانتا في عمر الـ(13) والـ(15) عامًا ولمدة عشر سنوات، وقال: "لم أفعل ذلك لمتعتي الخاصة، وإنما لتثقيفهما وتدريبهما على القيام بواجباتهما الزوجية في المستقبل بحسب ما تنصُّ عليه الكتابات المقدسة"!! (الرأي العام الكويتية 31/8/2007م).

 

توقفت أمام الخبر كغيري، لكنني تعمَّدتُ الانتظار، متمنيًا أن ينال حظَّه من الاهتمام في الآلة الإعلامية الغربية التي تُصدِّعنا صباح مساء بقصصٍ مختلقة عن انتهاك الأعراض في دارفور، وبالمناسبة لم يُقدِّم الإعلام الغربي توثيقًا محترمًا لواقعة انتهاك واحدة هناك!!

 

الخبر.. مرَّ كومضة برق ثم راح واندثر، بينما يستحق وقفاتٍ مطولةٍ من ذوي الشأن جميعًا في الغرب، فهذه الحادثة ليست الأولى، وإنما هي واحدة من غابة من الأحداث المشابهة التي تغصُّ بها "الكنيسة"، والمسألة تحوَّلت إلى ظاهرةٍ تهز أركان الكنيسة، ومرض ينخر في أهم أسس المجتمع وبنيانه.. الأسرة والقيادة الدينية.

 

والغريب أن الكنيسة في كينونتها كمؤسسةٍ دينيةٍ من المفترض أنها مقدسة متورطة حتى أذنيها في إفشاء الظاهرة؛ وذلك بالتغاضي عن تلك الجرائم حينًا، وإسباغ الحماية على القساوسة الشواذ، بل وتعيينهم في مواقع رفيعة أحيانًا، وتوبيخهم أو تنحيتهم حينًا آخر!!

 

فعلى سبيل المثال، تعرَّضت الكنيسة في الولايات المتحدة في أبريل عام 2002م لأزمةٍ حادة، بعد كشفها عن قيامها بنقل قساوسة مارسوا الشذوذ مع أطفالٍ من أبرشيةٍ لأخرى بدلاً من فصلهم.. وبعد ذلك بشهرين رفض أساقفة أمريكا الكاثوليك في مؤتمر حضره 252 من الكهنة من إجمالي 288 كاهنًا فصل المتهمين بالشذوذ، وذكرت صحيفة "دالاس مورننج نيوز": أن ثلثي الأساقفة الأمريكيين قاموا على مدى سنوات بالتغطية على تصرفاتِ الكهنة الشواذ، واكتفوا بنقلهم دون فصلهم!

 

بل إن الكذب وليس الشذوذ هو الذي أطاح بالقس "تيد هادجارد" مستشار البيت الأبيض وأحد الزعماء الإنجيليين لأنه أنكر ممارسته للشذوذ، ثم اعترف أنه كان كاذبًا.

 

الملف متخم من شرق أوروبا حتى الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي؛ حيث الأمريكيتين، ويحتاج إلى سردٍ طويل، ووقفات أطول، لكن في التحليل الأخير.. الظاهرة متفشية ومعترف بها من الجميع وعلى رأسهم بابا الفاتيكان، وهو عاجز عن فعل أي شيءٍ حيالها سوى الإذعان لها!

 

وفي الإجمال، فإن الموقف من الظاهرة متذبذب من كنيسةٍ لأخرى، ومن بلدٍ لآخر، بل ومن مجموعةٍ لأخرى داخل الكنيسة الواحدة، وذلك في حدِّ ذاته يشتت الذهن، ويُحدث حالةً من التمزق لدى رعايا تلك الكنائس، ويدفع الكثيرين للانفضاض عنها، بعد أن سقط "الرمز" الذي من المفترض أن يلتفوا حوله كلما شعروا بحالةٍ من الخواء الروحي، وسقطت هيبة وقدسية ذلك "الرمز" على مذبح الشذوذ وفي مهاوي الرذيلة.. فأي حبٍّ للدين عندما يصبح هذا الدين ألعوبةً لنزوات وشهوات قادته؟! وأي احترامٍ للدين عندما يتحوَّل إلى صفقةٍ تجاريةٍ في سوق النخاسة والشذوذ؟!!

 

تلك هي أزمة الغرب بل مصيبته في ديانته المسيحية، وتلك خطيئة الكنيسة الكبرى في حقِّ المسيحية؛ وذلك هو السبب الأهم وراء انفضاض الناس أفواجًا عن الكنيسة وقساوستها.

 

ورغم ذلك كله.. لا يكفُّون عن رمي الإسلام ونبيه- صلى الله عليه وسلم- بكلِّ نقائص وافتراء، وبهتان.. بل لا تكف رحى البحث والدراسة في المراكز الكبرى، عن محاولات التدبير والتخطيط لخلع المسلمين من دينهم، أو اقتلاع الإسلام منهم!! ألم يكن الأولى أن يرمموا ما يجري من تدميرٍ لكنيستهم وصيانة ما تبقَّى منها؟!

 

لكن الذي يبدو أنهم لا يريدون على الأرض.. لا كنيسة ولا مسجدًا!

والحمد لله على نعمةِ الإسلام.

_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _

shaban1212@hotmail.com