الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد النبي الهادي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين... أما بعد:

 

فإنَّ شهرَ رمضان المعظم شهر يجمع الأمة الإسلامية، ويوحد فيما بينها، ويجدد لها إيمانها، ويربطها ويصلها بربها بالصيام والقيام وتلاوة القرآن الكريم حبل الله المتين الذي أمرنا الله بأن نعتصم به، ونجتمع عليه ولا نتفرق: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (آل عمران الآية: من الآية 103)، كما جعل المسلمين أمة واحدة: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)﴾ (الأنبياء).

 

وشهر رمضان المعظم يجدد القيم الأخلاقية العظيمة في حياة المسلمين، كالإخلاص والتجرد والمراقبة لله، والصبر وقوة الإرادة والاستعلاء على شهوات الجسد ورغبات النفس، والتواصل والتزاور والتواد بين المسلمين، ونشر المحبة والرحمة والتعاطف فيما بينهم، كما يحملهم على التطهر من الشقاق والخصام والعداء، والنقاء من الغل والحسد والبغضاء، والتحلي بتلك الأخلاق الكريمة والطهارة من الرذيلة، يعمل على جمع الأمة وتوحيد صفوفها، وإذابة خلافاتها في ظل الإخاء والحب، فتتمكن من مواجهة أعدائها صفًّا واحدًا، وبذلك يكونون أهلاً لمحبة الله ونصره وتأييده: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ (4)﴾ (الصف).

 

إنهم بذلك يستمطرون الرحمات الواسعة من الله، ويرجون من الله أن يغدق عليهم من فضله الواسع، وأن يمدهم بجند السماء ويحقق لهم النصر على الأعداء في شهر الانتصارات بدر الكبرى وفتح مكة: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ (160)﴾ (آل عمران).

 

الأخوة والمحبة سر قوتنا

إن الإسلام يحرص على أن ترتبط القلوب والأرواح برباط العقيدة؛ لأن العقيدةَ أوثق الروابط وأعلاها، والأخوة أخت الإيمان والتفرق أخو الكفر، ومن ثَمَّ يخاطب أبناءه ومتبعيه فيقول لهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: من الآية 10). وفي آيةٍ أخرى يقول: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (التوبة: من الآية 71).

 

والنبي الكريم- صلى الله عليه وسلم- يقول: "وكونوا عباد الله إخوانًا" ويقول: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسلمه"، ويقول: "ومثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" ويقول: "والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضهم بعضًا".

 

وكذلك فهم المسلمون الأولون- رضوان الله عليهم- من الإسلام هذا المعنى الأخوي، وأملت عليهم عقيدتهم في دين الله أخلد عواطف الحب والتآلف، وأنبل مظاهر الأخوة والتعارف، فكانوا رجلاً واحدًا، وقلبًا واحدًا، ويدًا واحدةً، حتى امتنَّ الله بذلك في كتابه فقال تبارك وتعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ (الأنفال: من الآية: 63).

 

ويوم واجه المسلمون العالم كله صفًّا واحدًا وقلبًا واحدًا في ظل هذه الأخوة الصادقة الحقة، لم تلبث أمامهم ممالك الروابط الإدارية أو السياسية المجردة ساعةً من نهار، وانهزم أمامهم- بغير نظام- الروم والفرس على السواء، وكونوا إمبراطوريةً ضخمةً تمتد من المحيط إلى المحيط، ذات علمٍ وحضارة، وقوةٍ وإشراق.

 

ويوم غفلوا عن سرِّ قوتهم، ولم يأخذوا بهدي كتابهم، ودب إليهم داء الأمم من قبلهم من تغليب المصالح المادية الزائلة على الأخوة الإيمانية الباقية.. تمزَّقت هذه الإمبراطورية على أيدي ابن سبأ ولعبت بها المطامع الخارجية والداخلية، وانتهى أمرها مؤخرًا إلى دويلات صغيرة مقسمة ومتناحرة، يتحكم فيها أعداؤها، ولا تملك زمام أمرها، وتُدين بالولاء والطاعة لخصومها، كسبًا لودهم وخوفًا من اعتدائهم، وصدق الله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52)﴾ (المائدة).

 

فرق تسد

لقد أدركت أمريكا الباغية والصهيونية الماكرة، ومَن يساندهم من قوى الشر والبغي والطغيان أنهم لن يستطيعوا السيطرةَ على بلادنا، ولن تثبت لهم قدمٌ على أرضنا، ولن يتمكنوا من نهب خيراتنا والاستيلاء على مقدراتنا ومقدساتنا إلا إذا دبَّت الفرقة بين المسلمين، واشتعلت نار الخصومة والعداوة بينهم، ومن أجل ذلك عملوا على غرس بذور الفرقة في كلِّ أرضٍ نزلوا بها، ونشر الخلاف بين أبناء الوطن الواحد، وكان ولا يزال شعارهم (فرق تسد) وحيثما يممت وجهك أيها المسلم رأيت آثارهم تؤكد ذلك:

 

- الأمة الإسلامية تقسم إلى دويلات موالية وأخرى معادية.. ومحور خير ومحور شر.

 

- والأمة العربية مهبط الديانات وأرض الرسالات يجعلون منه دولاً معتدلةً يتعاملون معها وأخرى متطرفة يجب حصارها حتى الموت.

 

- فلسطين الحرة الأبية: أوقدوا نار الخلاف بين فتح وحماس، وأشعلوا الحرب بين أبناء الشعب الواحد والعقيدة والمذهب الواحد، ويأبون إلا أن يقسموا الفتات الذي لم يسلم بعد إلى أصحابه من الضفة وغزة، ويعملون على فصل غزة عن الضفة... وحصار الشعب الصابر حتى يتراجع عن خياره لحماس أو تتراجع حماس عن خيار المقاومة للمحتل الغاصب.

 

- أما العراق العظيم: فقد بثوا فيه نار الفرقة العرقية أكراد وعرب.. ونار الفرقة المذهبية سنة وشيعة... ونار التقسيم إلى شمال وجنوب.

 

- ولبنان المنتصر على "إسرائيل" بقلة عددٍ وضعف عتاد يريدون تقسيمه إلى جنوبٍ وشمالٍ، ومسلمين ومسيحيين، وسنة وشيعة.

 

- وكذلك أفغانستان يشعلون نار الخلاف بين القبائل والأحزاب.

 

- والسودان: يعملون على تقسيمه إلى شمال وجنوب.

 

- والصومال: نار متأججة كلما خمد لهيبها نفخوا فيها وأعادوها إلى التناحر القبلي والعرقي.
وقل مثل ذلك في باكستان وإندونيسيا والبوسنة وكوسوفو والشيشان وسائر بلاد المسلمين، التي يأبى الأعداء إلا أن تكون كلمتهم فيها المسموعة والمطاعة، ولو أتوا في سبيل ذلك على الأخضر واليابس، وأهلكوا الحرث والنسل، وأبادوا البلاد والعباد بحروبٍ يفتعلونها ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ (المائدة: من الآية 64).

 

كيف السبيل للخروج مما نحن فيه؟

أمام هذه الهجمة الشرسة من أعدائنا فلا سبيلَ لمواجهتهم، ولا طريقَ لمقاومتهم ودحرهم على أعقابهم خاسرين إلا بتجديد الإيمان في النفوس والأخذ بأسباب النصر والتمكين التي سار عليها الصحابة وسلفنا الصالح رضوان الله عليهم، ويتلخص ذلك في أمرين:

 

أولهمـا: قوة إيمانهم بالله تبارك وتعالى وحسن اعتمادهم عليه، وجميل استمدادهم منه، واستنادهم إلى تأييده، وأملهم في نصره، واعتزازهم بهذه العزة الربانية المستمدة من هذا الإيمان: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: من الآية 8).

 

وثانيهمـا: شدة تماسك بنيانهم، وقوة رابطة جماعتهم، قوة أساسها صفاء القلوب ونقاء السرائر وتقدير معنى الوفاء والشعور بقدسية الأخوة وإشراق القلوب بمشاعر الحب في الله إشراقًا سما بها إلى معنى الإيثار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الحشر: من الآية 9). حتى كان الرجل منهم يؤثر أخاه بماله وأهله وقوته وحياته وكل ما يمتلك.

 

بهذين المعنيين انتصر هؤلاء النفر من السلف الصالحين مع قلة عَددهم، وضعف عُددهم وتجردهم من كل عوامل المنافسة لغيرهم ممن كانوا أوسع منهم سلطانًا وأكثر أموالاً وأوسع عمرانًا، ولكن الإيمان والحب هما ولا شك أقوى عُدد النصر وهكذا كانوا، وصدق الله العظيم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29)﴾ (الفتح).

 

التفاهم بين الزعماء والتفاهم بين الشعوب

يجب أن يتم التفاهم بين زعماء الشعوب الإسلامية والبعض الآخر، حتى تكون كل أمة وحدةً مجتمعةً، تتعاون فيها القوى، وتشترك الجهود، وتتلاقى المواهب حول الصالح العام، ويجب إذا تعذَّر هذا في أمةٍ أن يتوسط بين زعمائها قادة الأمم الأخرى من أبناء هذا الإسلام.. وليعلم هؤلاء الزعماء أن الخير كل الخير في تواصلها مع شعوبها، وأن الطاعة للأعداء لن يجنوا من ورائها إلا الخسران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (149) بَلْ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150﴾ (آل عمران).

 

ويجب أن يتم التفاهم بين شعوب المسلمين بعضهم والبعض الآخر؛ فإنما هم أمة واحدة وشعب واحد في الحقيقة برغم هذه التجزئة الاستعمارية، الذي لا تعرفه العقيدة، ولا يقره الإسلام، على أن المصلحة، ووحدة الألم والأمل، والداء والدواء تحتم على هذه الشعوب التحالف التام.

 

ويجب على الزعماء والشعوب التجمع حول نظامٍ مشتركٍ تصدر عنه السياسة العليا لكل هذه الشعوب في ظل معالم الإسلام السمحة، ومراميه السامية... ومن مصلحة كل أمةٍ أن تتعاون بكل أطيافها في ردِّ هذه الهجمة الشرسة، وليعلم الجميع أن الدمار والهلاك ينزل على الناس لا يُفرِّق بين مسلمٍ ومسيحي، ولا بين سني وشيعي، ولا بين عربٍ وأكراد، وإنما هم في الدمار والهلاك سواء.

 

ذلك ما يجب أن تلتقي حوله قلوب المسلمين وعواطفهم في شرق البلاد وغربها.. في هذا الشهر العظيم المبارك، وذلك ما يجب أن يصدروا عنه ويستعدوا وينتهزوا الفرصة السانحة لتحقيقه، ومن يدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا.

----------

* من علماء الأزهر الشريف