![]() |
|
د. حامد أنور |
لا أحد يشك في أن الوزير هاني هلال ينهج سياسةً مدمرةً للتعليم العالي، إلا أن ما يُثير تلك النفوس ويُشعل في الحلق غصة أنه ينتهجها بطريقةٍ مستفزة.
فها هي جريدة (المصري اليوم) على صدر صفحتها الأولى تنشر تصريحات منسوبة إليه يوم الثلاثاء بتاريخ 11/9/2001 يقول فيها سيادته مبررًا رفع أسعار الرسوم الجامعية: "إن الطالب يُنفق شهريًّا مائة جنيه على المحمول"، ولا أدري ما هو الطالب العياري الذي قاس عليه السيد هلال مقولته تلك، فالعديد من طلاب الجامعات ليس معهم محمول، والكثير منهم يكتوي بأسعار الكتب الجامعية، ومن أين سيصرف الطالب تلك المائة جنيه؟ هل من معاش أبيه المبكر الذي لا يُسمن ولا يُغني من جوع أم من دخل الأسرة التي لا تجد ما يسد قوتها اليومي في محرقة الأسعار من حولنا؟
ولعل السيد هلال يعيش في عالمٍ خاصٍّ يُحلِّق فيه بمفرده فلا تزعجوه أنه لا يعرف إلى أين انحدرت الأوضاع الاقتصادية بالمصريين، وإلى أين أخذتنا شعارات الإصلاح، ففي نفس الصفحة في آخرها أن بائعة خضار باعت ابنها فلذة كبدها التي تمشي على الأرض والتي كما كان يُقال لو هبَّت الريح عليه لامتنعت العين عن الغمض!! ها هي ريح الأزمة الاقتصادية الطاحنة تعصف به وتُجبرها على بيعه لزوجة ثري عربي بجنيهاتٍ معدودة!!
إنه الإصلاح الاقتصادي الذي لن يتوقَّف كما قال وزير الصناعة إلا بالهبوط الآمن، فعلى الجميع أن يربط الأحزمة.
لقد أصبحت كلمة الإصلاح دليلاً على الانحدار، فما أن تُلحق بأي كلمةٍ حتى تجد الفساد يرفرف علينا بأجنحته.. ألم تر إصلاح التعليم قد أخذنا إلى هوةٍ سحيقةٍ ما لها من خروج.
فعلى أيدي وزير التعليم العالي أصبحت الجامعة تنافس شركات المحمول في تحصيل الرسوم من الطلاب، فبدلاً من أن يتوارى الوزير خجلاً وأسفًا من تردي مستوى التعليم الجامعي وعدم وجود جامعة واحدة من الجامعات التي تتمتع بإشرافه عليها تحت مظلةٍ أفضل خمسمائة جامعة في العالم، وبدلاً من أن يضع سياسةً عامةً للنهوض بها ورفع مستوى الدراسة والتحصيل والبحث العلمي، إذا به يرفع الرسوم الجامعية ثم يقول بشكلٍ فجٍّ يحسد عليه في بقية تصريحاته: "إن تلك الزيادات لا تُقارن بالخدمات التي تُقدمها الجامعات للطلاب"، وأنا لا أدري ما هي تلك الخدمات في ظل انتشار الدروس الخصوصية في الجامعة انتشار النار في الهشيم فتخرج أجيال اتكالية لا تبذل جهدًا في استيفاء المعلومة والحصول عليها، بل تأتيها مُعلَّبة لا روحَ فيها كتلك المعلبات التي تزخر بها الأسواق، فضلاً عن زيادة الأعباء على الأسرة، إلا إذا كان الوزير يرى في انتشار الكافتيريات في الجامعة هي أكبر الخدمات.
على الوزير بدلاً من أن يدخل في عداءٍ مع خيرةِ عقول مصر من أساتذة الجامعات وذخيرتها التي لم تُستَغل بعد، عليه أن يقتنع ويُقنع مَن جاءوا به أن التقدم الحقيقي بعيدًا عن الشعارات الجوفاء لن يأتي إلا من تلك المحاريب العلمية والقلاع الفكرية، ولكن يبدو أن المسئولين الحكوميين قد تعاهدوا بينهم بتوصياتٍ من النظام على أن يذبحوا الشعب المصري.
فما دام الأمر كذلك... فرجاء عليكم... أحسنوا الذبحة.
-------------
