عندما تسقط جميع الحصون ولا يبقى غير الحصن الأخير، فقد أصبح من الواجب استنفار كل الطاقات والهمم للدفاع عنه، وعندما تنهار خطوات الدفاع الأولى وتصبح أوطاننا مستباحةً وتهون دماؤنا؛ فإن علينا جميعًا أن نتمسك بآخر قلاع أمتنا وحصونها، والذي أصبح يتم اختراقه بشدة، وهذا الحصن هو الأسرة!

 

وإذا كانت الأسرة هي الحارس لقِيَم المجتمع وتماسكه بفضل نظامها التشريعي المتماسك؛ فهي اليوم تتعرَّض لموجة عاتية من الغزو العولمي، بفرض النموذج المعرفي الغربي في السلوك والاجتماع بمنطلقاته اللا دينية العلمانية التي تتعارض بشدة مع خصوصيتنا الثقافية والدينية والأخلاقية.

 

والقضاء على الخصوصيات الثقافية والدينية هو استهداف ما تضمنته من آداب وتشريعات، وخاصةً منظومة الأسرة والأحوال الشخصية، والحلال والحرام، والعفة والشرف والحياء، وغير ذلك من القيم الإنسانية العامة، ومصدرها الأديان والفطرة السليمة.

 

والهدف هو حمل المجتمع على الإيمان بالرؤية الغربية في مفهومها للحريات الشخصية والجنسية، بشكل خاص، ومفهوم الأسرة لدى الغرب بأنواعه الشاذة والطبيعية، وأنواع الاقتران بين الجنسين خارج إطار الزواج الشرعي بين رجل وامرأة، أو بين متماثلين في الجنس، وغير ذلك مما يرد في الإعلام اليوم!!

 

القضاء على الخصوصيات الدينية والثقافية يعني تحقيق مسمَّى المواطنة بالمفهوم الغربي؛ بعزْل التشريعات الدينية عن واقع حياة الناس؛ حتى لا يكون هناك تمييزٌ بين دين أو دين، بل وتمتدُّ هذه الرؤية لتشمل العلاقات الزوجية، برفض التمايز الفطري بين الجنسين، وما يترتب عليه من أمومة وزوجية، والنظر إلى التشريعات الدينية بأنها مميزة وضد حقوق المواطنة، والتي تميز بينهما في الأحكام، وتمتد لتشمل حقوق الشواذ جنسيًّا؛ باعتبارها حقًّا من حقوق الإنسان.

 

وكي تتحقق المواطنة- بهذا المفهوم- يجب خضوع الجميع لنظام تشريعي علماني موحّد في شئون الأسرة، وتهيئة المجتمعات له، من خلال التسويق لهذه المفاهيم، وبعث المشكلات التي بدأت تنجم في المجتمعات الإعلامية اليوم.

 

والتسويق لهذه المنظومة الغربية في مجتمعاتنا يتم من خلال الإعلام، ومصادره هي تلك المواثيق والاتفاقيات الدولية المستهدفة لتغيير النظام الاجتماعي القائم، وفي القلب نظامنا الأسري، بهدف عولمته!!

 

فيتم التسويق لما يسمَّى بالمجتمع الذكوري والنظام الأبوي- كما هو معروف في الثقافة الغربية وكثير من المجتمعات؛ فهيمنة الرجل على الأسرة والثروة والسلطة من خلال القوة والاستبداد والقهر- فتم إطلاق هذا المسمَّى على نظام القوامة المعروف في الإسلام مع اختلاف المنظورَين الغربي والإسلامي، فالقوامة في التشريع الإسلامي لا تعني القهر والاستضعاف والتحكُّم والظلم، وإن فهمها الرجال كذلك؛ فذلك راجع لقصور فهم، وضعف في الوازع الديني؛ لأنها تقوم على تحمُّل أعباء الأسرة والقيام بمسئوليتها أدبيًّا وماديًّا، وهي خاصة بالأسرة فحسب.

 

وبناءً على مفهوم المجتمع الذكوري يتم التسويق لما يسمَّى بتمكين المرأة في الأسرة اقتصاديًّا؛ حتى لا تصبح تابعةً للرجل، ويمتد مفهوم التمكين ليشمل العلاقة الزوجية الخاصة ومفهوم طاعة الزوج والسفر دون الرجوع إليه، وغير ذلك من الآداب، والتي بفقدانها تنهار العلاقات الزوجية، ولذلك فإن إحلال مفهوم التمكين بدلاً من مفهوم التفاهم والمودة وسيادة العلاقة التراحمية- التي هي أساس استقرار حياة الأسرة- هو إحياء لعلاقات زوجية تقوم على الصراع والتنافس.

 

ومن هنا تأتي الحاجة إلى تصحيح المفاهيم المغلوطة بين الشباب والرجال عن مفهوم القوامة؛ لأن القوانين وحدها لن تحقِّق الاستقرار المطلوب للأسرة، فهل يُعقل أن تستدعي الزوجة الشرطة لزوجها من خلال الخط الساخن لتأديبه ثم تقوم بينهما علاقات تراحمية بعد ذلك؟!

 

وتمتد دعوة التمكين إلى حياة الطفل؛ حيث يمكنه اللجوء إلى الخط الساخن لتأديب والديه، بما في ذلك من عزل الطفل عن والديه إذا تعرَّض ولو لمجرد الإيلام والتوبيخ؟!!

 

ويتم أيضًا التسويق في الإعلام- ومن خلال الندوات والمؤتمرات- لمفهوم الصحة الجنسية والإنجابية؛ حيث تطال حياة المراهقين لإفسادها؛ بدعوتهم إلى التمكن من خدمات الصحة الإنجابية ووسائل منع الحمل، مع تجريم الزواج المبكر، واعتبار الممارسة الجنسية للفتاة دون الثامنة عشرة تغريرًا بالفتاة، ومحافظتها على عذريتها تعسفًا وظلمًا.

 

وتهيئة المجتمعات لهذه المنظومة الفكرية يصاحبها ترويجٌ إعلاميٌّ لبعض المشكلات الاجتماعية القائمة بالفعل، وهي موجودة بصورة أقل حدَّةً مما يروَّج له؛ فهناك مشكلات ناجمة عن الاختلافات الدينية على سبيل المثال ومنذ عقود، ولكنها لم تستكمل ظاهرةً خطيرةً تهدِّد أمن المجتمع مثلما يحدث اليوم؛ لأنه يتم تضخيمها، مثل زواج القبطيات من مسلمين أو إسلامهن؛ فذلك لدى الكنيسة القبطية مشكلة، وأيضًا تحريم زواج المسلمة من غير المسلم، وحلّ مثل هذه المشكلات التي يسبِّبها اختلاف الأديان باحتكام الجميع لقانون مدني موحّد في التشريعات الأسرية والأحوال الشخصية.

 

إن إثارة مثل هذه القضايا اليوم في المجتمع والترويج لها- بهدف إحلال قانون علماني مدني موحّد، بدلاً عن الشريعة الإسلامية وبعض التشريعات القبطية- يعني (الحالقة)؛ لأن افتعال المشكلات والتسويق لها يشعل نيران الفتنة ويستهدف وحدة الوطن، ويهدم أركان نظامه الاجتماعي، وهو بعينه الفوضى الخلاقة التي يبشر لها النظام العولمي الجديد.