ما زلنا قابعين في بلادٍ بعيدة كل البعد عن قمع الاحتلال، فنسعد بهذا، ونشعر وكأنه اصطفاءٌ من الله لنا على دوام الأمن والاستقرار، فوالله لو كان رضا الله هكذا لكان أحقِّ الناس به وبهذا الأمن رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم-؛ حيث كانت حياتُه كلها جهادًا وحروبًا بينه وبين أعداء الله، فلم ينَم يومًا كما ننام، ولم يهنأ بالعيش يومًا كما نهنأ، ولم يشبع يومًا كما شبعت بطوننا، ولم يُؤتَ من الدور والقصور كما أوتينا، بل كان يمرُّ عليه الهلال ثم الهلال ثم الهلال ولا يوقد في بيته- صلى الله عليه وسلم- نار، والله إنه لابتلاءٌ قد ابتلانا الله به.
وفي ظلِّ ما نسعد به من أمنٍ وأمانٍ في شهر الخير شهر رمضان نعدُّ ما نحتاجه من طعامٍ، لا ليوم بل لشهرٍ كامل، بهذا قد امتلكنا الدنيا بحذافيرها، كما أخبرنا المصطفى- صلى الله عليه وسلم- كما نستعد لشراء ملابس أولادنا؛ فإنهم على مقربةٍ من بداية عامٍ دراسي جديد، وحمَّلنا أنفسنا عبئًا آخر، وهو شراء الفوانيس لهم، حتى تكون سببًا في سعادتهم طوال هذا الشهر، وكأننا اطمأننا أننا سنعيش شهرًا.
وبعد أن زالت نشوة الفرحة بسعادة الأولاد وبعد أن اطمأننا أن طعام الشهر موجود ولن نحتاج غيره، فهل تذكرنا مَن نسيناهم، لا لأيامٍ، بل لأعوام..!! إخواننا وأخواتنا وأبناؤنا في فلسطين..؟! يا الله!! كيف حالهم الآن؟ يمرُّ عليهم رمضان بعد رمضان والعيد بعد العيد، ولا يزالون في حالة حرب، لا يستطيعون الخروج من ديارهم إلا بحذَر، وربما خرجوا ولم يعودوا إلى تلك الدار التي أخذوا حِذْرَهم بهدف العودة إليها بعد قليل، فلا يوجد في الحياة مَن يسكن تلك الدار بعدهم، فيكون مآلها الهدم والخراب!!
الآن تذكَّرناهم، ومنذ أن وُجدنا على ظهر هذه الأرض ونحن نسمع الخبر يأتي بعد الخبر، عن استشهاد عددٍ من هنا، واستشهاد مجموعةٍ من هناك، ماتت طفلة وهي في يد أمها وبعدها سقطت أمها، مات طفلٌ وهو يلعب، وبعده لحقه رفاقه، تفجَّر بيت فلان هو وأبناؤه وزوجته، استُشهد الشيخ فلان والقائد فلان، وغير ذلك من المآسي التي لم تُفارق العين ويئنُّ القلب لذكرها.
الآن تذكرناهم وقد مضت عهودٌ، وهم لا يزالون في ألمٍ وكبتٍ وضنك! أبكي لحال أمي العجوز هناك..!! مَن يأخذ بيدها بعد استشهاد ولدها فلذة كبدها؟! أبكي لحال أختي هناك..!! مَن يصونها بعد أن قُتل أخوها الذي كان يحميها من أي يدٍ تمتدُّ عليها؟! يتقطَّع قلبي لحال ابني هناك؛ فقد ماتت أمه وأصبح في شوارع البلدة ينتظر الموت أو حياةً مجهولةً!! نبكي لحال هذا وذاك ولا نعرف إلى أين ستصل فلسطين؟
الآن تذكرناهم بعد أن كثُرت الأخبار وتبلَّدت المشاعر وأخذتنا الدنيا وهمّها، والسعي خلف لقمة العيش، والوظائف هنا وهناك.. أُكمل تعليمي أم أقتصر على حدٍّ معين منه.. أتزوج الآن أم أنتظر حتى تكتمل الشقة بكماليات كذا وكذا، ونسيناهم تمامًا!!
فحقًّا علينا أن نتذكر هؤلاء المطارَدين، الذين التفَّت حولهم الدنيا لتشاهد وتتعجَّب، والألسنة خرساء، والأعين عمياء، والقلوب غلف مغشية بالران الذي ملأها، فحقًّا علينا أن نعقد بداخلنا مقارنةً بينهم وبين ما نحن فيه الآن.
كيف حالهم الآن؟ هل يشعرون بالفرحة التي نشعر بها نحن؟ أم ما زالت الصورة الكئيبة التي نراها من بكاءٍ وقلقٍ وخوفٍ موجودةً عندهم، ونحن لا نزال نركض ركضًا زائفًا وراء الدنيا والعيش الذي ألهينا به، لا نطمئن بجمع قوت يوم.. لا، بل الأمر عندنا أكبر من ذلك، فنحن نسعى إلى امتلاك ما نعيش عليه إلى الأبد، ولا نُفكِّر مرةً في أن نرسم على وجوه هؤلاء المحرومين الابتسامة، بل إن الجميع منا يبخل عنهم، لا بالمال فقط، بل بالدعاء أيضًا، وهذا ما يُؤسف من أمةٍ من المفروض أن يكون هدفها الرئيسي هو رفع راية الإسلام في كلِّ مكان؛ في فلسطين والعراق وغيرها من بلاد المسلمين المحتلة.
اكتفينا بأن نجعل قضية فلسطين خلفيةً لمغنٍّ أو مغنيةٍ في أحدث كليباتهم لتروِّج لهم ألبوماتهم الحديثة، بل اكتفَى البعض منا بأن تكون قضيتهم مُعلَّقةً على لافتةٍ على مكان العمل حتى تُسوَّق له بضاعته، والمناضل منا من ذُكرت عنده قضيتهم كل ما يحدث له أن تدمع عينه وتسمع منه امتصاص الشفاه، ويسرد لك الأخبار ثم يردفها بقولته الشهيرة: "متى سنتحرك؟!".
كلمات وعبارات تُردَّد ليلاً ونهارًا، وأشعار زائفة، ونشعر أننا قد أدَّينا حقَّهم علينا، نضحك على أنفسنا، ولو أن ما يحدث هناك حدث في بيوتنا لقُمنا ولم نقعد، وبِعْنَا الحياة في سبيل أن نُحرِّرَ أنفسَنا ونساءنا وأبناءنا، واللهِ، أخشى عندما ألقى الله أن يقول لي: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ (النساء: من الآية 97).
فواجبنا نحوهم كثير، ولن نستطيع أن نُعدد ما هو المطلوب منا، فالكل يعي جيدًا ما هو المطلوب منه نحو هؤلاء، ولكن نسينا بل نتناسى، ويمر علينا عام بعد عام، ورمضان بعد رمضان، ولا نتحرك حتى من داخلنا.
ونحن في شهر رمضان، وكما تعلمنا هو شهر الانتصارات، فلعل الله يتقبَّل من مخلصٍ دعوةً لا يردُّها، ويكون في هذا الشهر نصرٌ ينضمُّ إلى قائمة النصر التي قدَّمها المسلمون ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (الصف: من الآية 8).