من الحقائق التي حملها إلينا التاريخ، وسرت مسرى الأمثال قولهم "العرب أمة شاعرة"، وكذلك قولهم "الشعر ديوان العرب"، ولا مبالغة في ذلك؛ فالشعر هو الذي حفظ تاريخهم وأيامهم ومسيرة حياتهم.

 

وها قد أهلَّ علينا باليمن والبركات شهر رمضان المعظم، وهو ربيعُ النفوس والقلوب، وكان لرمضان في وجدان الشعراء تدفُّق ثرار، فاض بأعذب الكلم، فلتكن هذه الحلقة من "ديوان العرب" عن "رمضان والصيام، ونستهلها بقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (البقرة: من الآية 185).

 

ثم لنستمع بعد ذلك للشاعر "يس الفيل" وهو يُحيي هذا الشهر المعظَّم، قائلاً:

شهر الصيام تحيةً من شاعر  عن كل ما يؤذي المشاعر صاما

هذي أحاسيسي بليلك تزدهي  ومشاعري لك طاعةً تتسامى

أقبل كما أرجو عوالم رحمةٍ  حتى لمن هو عن سناك تعامى

وأقم كريمًا بين أكرم أمةٍ         خطرت هدى، وتألَّقت إسلاما

 

ويتحدث الشاعر عن فضيلة الصوم، وأثرها الروحي والتربوي في نفوس المسلمين الذين يصومون ويعبدون الله ابتغاء وجه الله؛ يقول الشاعر "يس الفيل":

هذي الجموعُ إلى الصيام تسابَقَتْ         الكل فيك بفيضِ برِّك هاما

صاموا نهارًا، واستظلَّ بليلهم             أمل، وجادوا باليسير كراما

يبغون وجه الله في ملأ طغى              ومضى يقطع بينهم.. أرحامَا

يتألقون بما أفأت عليهم                   ويحطمون بأرضهم.. أصناما

وإليك يلتجئون إن عصفت بهم            محنٌ، ومدَّت للضلوع سهاما

فانصر عبادك، إنهم بك قوةٌ               كبرى، وهم بسوى رضاك يتامى

 

وبعاطفةٍ إيمانية متدفِّقة نرى الشاعر "محمد هاشم رشيد" يوجِّهُ نداءً للمسلمين في كلِّ مَن بالمعمورة؛ لكي يدركوا عبرة الصوم، ويأخذوا أنفسهم بها عمليًّا، تُرى ماذا يقصد الشاعر بعبرة الصوم؟! يقول الشاعر:

أيها المسلمون في كل أرض  وعلى كل بقعة أو بلاد..

آن يا إخوتي اللقاءُ المرجَّى   بعد طول النوى وطول البعاد

لم نكن غير أمة وحَّدتها      شرعة الحق والهدى والرشادِ

ثم عدنا قبائلاً وشعوبًا       وافترقنا في كل أفق ونادِ

عبرة الصوم أن نتلاقى      من جديد على طريق الجهادِ

فلقد وحَّد الصيام خطانا       ومنَّانا برغم أنف الأعادي

 

وفي قصة شعرية، يقدم الشاعر محمد هاشم رشيد عِبَرًا وقيمًا إنسانيةً أخرى للصوم، وتبدأ هذه القصيدةُ القصصيةُ بأحدِ المسلمين الموسِرين الصائمين يقدمها الشاعر وقد:

سارَ والشمسُ فوقهُ تتلظَّى               فتحيلُ الوجودَ شعلةَ نارِ

ساهمًا، ملء صدره زفراتٌ              خلفته مبلبل الأفكارِ

ظامئًا يعصف الصدى بين جنبيه        كلفح الهجير بين البراري

جائعًا.. تصرخ الضلوعُ وتشكو          ما تلاقيه من ضنى وانصهار

 

وبينما هو في الطريق إلى قصره رأى ما يشبهُ الكوخ بلا سقف، وقد ضمَّ عجوزًا وفتيةً استبدَّ بهم الفقرُ والضعفُ والشَّقَاء، فيتفتَّح ضمير الصائم الثريّ، ويستبدّ به الحزن لما يرى، ولكنَّ الشعورَ الحيَّ وحده لا يُطعم جائعًا، ولا يروي ظامئًا؛ لذلك ترجَمَ الرجلُ شعورَه إلى عمل:

وأتى الكوخ قائلاً: "أيها القومُ               هلموا.. فأنتم في جواري

اهجروا الكوخ، وانزلوا في رحابي          أنتِ أمي، وهؤلاء صغاري

 

ويختمُ الشاعر قصتَه بإبرازِ أهمِّ القيم الروحيةِ والاجتماعيةِ والإنسانية التي يقودُنا إليها الصوم، فيقول:

هكذا الصومُ فكرةٌ تملأُ النفس               فتسمو لعالم الأنوارِ

هكذا الصومُ نشوةٌ تأسر الروح             فتمضي مع النسيم السارِي

هكذا الصوم رحمة تغمر القلب              فيحيا بسنة الإيثار

ليس معناهُ أن نجوعَ ونصدى              ونقضي الحياة مثل الضوارِي

ونرى البؤس والشقاءَ فنغضي             ثم نرجو تفضل الجبارِ

ونلتقي بشاعر طيبة محمد ضياء الدين الصابوني، وهو يفيضُ سعادةً وبشرًا بقدوم رمضان العظيم، فيقول:

شهر أطلَّ بفجره البسَّام   دنيا من الإشراق والإلهامِ

شهرٌ أطلَّ فمرحبًا بقدومه  وبفيضه المتدفِّق المترامي

 

يُبرز الشاعرُ الجوَّ الروحيَّ الذي يسيطرُ على الصائمين في رمضان، من خشوعٍ وتقوى وذكرٍ وتسبيحٍ؛ فيقول:

وفي رمضان كم خشعت قلوبٌ           بذكر الله والسبع المثاني

وفي رمضان كم غُفرت ذنوب           تفتح فيه أبوابُ الجنانِ

وما أحلى ليالي الذكر فيه  تبيت وأنتَ موصولُ الجنان

وتسبح في معارج من كمالٍ  وتتلو فيه من غرر البيانِ

 

وليلُ الصائمين ليل عبادة وقيامٍ؛ تقربًا إلى الله، واستنزالاً لرحمته وغفرانه.. يقول شاعرُ طيبة:

يا ليالي القيام عودي علينا             وانفحينا بأطيب النفحات

جمعتنا في الروض منها سويعا             ت مع الراغبين في القرباتِ

يقطعونَ الليلَ الطويلَ بترتـ               ـيل جميل منور الكلماتِ

 

ويقول الشاعر "حسن فتح الباب": إن رمضان هو أكثر الشهور إلهامًا لي بأجمل قصائدي، فهو شهرُ الصفاء العقلي والروحي؛ لذلك تنطلق فيه القريحة بشعرِ التوبةِ والنجاوى، ومن قصائد الشاعر الرمضانية قصيدةٌ بعنوان (غفران) يقول فيها:

كلما طافت على الكون نهايا  وسرت في موكب الدنيا خطايا

أشرقت روحي يا رب ورفَّت  في ضياء غامر منك الحنايا

واستفاض الطهر يسري في فؤادي من معانيك ويجتاح الخلايا

واجتلى قلبي أسرار النجاوى            وجلا نورك عن حسي دجايا

رب فارحم نادمًا مما يعاني             وتقبل توبةً من كلِّ جاني

واهدِ في غمرٍ من الدجن سراةً         وأقِلْ عثرة مكلومٍ وعاني

رب واسكب من سماواتك فيضًا         يغمر النفس بآمال حسانِ

 

وبهذا الدعاء الطيب- يا عزيزي القارئ- نختم مقالنا عن رمضان والصوم، ونوِّدعك، على أمل اللقاء في مقال جديد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

----------------

* Komeha@Menanet.net