صافي ناز كاظم

 

قال مسئول ثقافي مصري كبير يشغل مركزًا ثقافيًّا مهمًّا يتحكم في مسارات الأخذ والعطاء، إنهم من هذا المركز يدعمون الدولة المدنية، ثم قال كلامًا نفهم منه أنهم يسعون إلى توطيدها بكل ما يملكون من هيمنة وقوة.

 

والحقيقة أن هذا كلامٌ صحيحٌ وشواهده كثيرة، وكان من الممكن أن تكون مؤثرةً وخطيرةً، لولا أن مثل هذه التصريحات، بلطف الله، تنزل على صفحاتٍ إعلاميةٍ لم تعد الغالبية في مصر تعيرها آذانًا مفتوحةً ناهيك عن مصغية.

 

كان من الممكن أن يظل هذا التكوين اللفظي، "دولة مدنية"، مبهمًا بما يمكنه المروق سلميًّا ليصبح فخًّا محترمًا يقع فيه الكثير من الناس الطيبين الذين لا يرون في هذا المقترح ما يهدد حرية عقيدتهم الإيمانية، لولا تلك المقالات، التي نشعت بكثرةٍ لافتةٍ تشرح المقصود وتُبيِّن جوهر "الدولة المدنية" المزعومة التي تنادي تلك الأقلية، المستحوذة على مفاتيح الثقافة والإعلام، بإقامتها.

 

بمتابعتي لذلك "النشع"، غير المقروء من الغالبية، عرفت أن المقصود هو "الدولة اللا دينية"، التي نرى نموذجًا منها في الدولة التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك عام 1925م في تركيا، ونرى بوضوحٍ تعصبها العلماني المتشنج الذي يضيق برؤية غطاء شعر مختصر على رأس امرأة فيحرم على لابسته دخول قصر الرئاسة ولو زائرة في مأدبة دبلوماسية أو بروتوكولية أو عادية أو إنسانية، لا يحرم فيها أكل الخنزير وشرب الخمر؛ بل إنه بفضل ضيق الأفق العلماني اللا ديني هذا تم فصل نائبة من البرلمان التركي وسحبت منها الجنسية، لأنها كانت تغطي شعرها، ولم يغفر لها أنها مختارة بالانتخاب الحر من الشعب.

 

المهم: لا يسرني- وإن كنتُ مضطرةً- أن أسرد هنا مقتطفات من مقالاتٍ تم نشرها في صحفنا القومية ولا تحتاج مني إلى تعليقٍ أو توصيف، ولن تغيب نغمتها التحريضية للفتك بالمؤمنين على أي قارئ منصف.

 

وإنني أفضل أن أحتفظ باسم الكاتب وعنوان المقالات، وتاريخ ومكان نشرها؛ لأن ما يهمني ليس التنديد الشخصي بحضرته ولا الدخول معه في سجال، فهدفي هو توضيح ما يعنيه هؤلاء بـ"الدولة المدنية"، والله خير حافظًا وهو أرحم الراحمين.

 

في سلسلة مقالات كتبها كاتب معروف اندلقت منه فقرات أختار منها التالي:

- "لا غرابة أن يتصف الإنسان.. بصفة الجبر بمعناه الكلامي الفلسفي، وهو المعنى الذي ينفي عن الإنسان حرية الإرادة وحق الاختيار، فهو لا يشاء إلا بما شاء الله، وعليه الرضا بما هو مقسومٌ له، وما تقرر له حتى من قبل أن يُوجد، ولا فارق كبيرًا بين الإنسان المجبور والإنسان الاتباعي داخل بنية التراتب المفروضة.

 

فالإنسان المجبور إنسان لا يملك القدرة على المبادرة الخلاقة، أو الفعل الجذري، أو الاختيار الحر، فهو إنسان يسلم نفسه إلى الأقدار وولاة الأمر، ابتداءً من الأسرة التي هي الوحدة الاجتماعية الصغرى، وانتهاءً بالنخبة الحاكمة، عسكريًّا أو مدنيًّا أو طائفيًّا، فهو إنسانٌ مبرمج على الاستسلام لقوى بشرية وغير بشرية يراها أعظم منه، كما يرى نفسه أضعف من أن يقاومها أو يخرج عليها، فلا يملك من أمر نفسه إلا ما يجعله الوجه الإنساني للزمن المنحدر عن نقطة الابتداء في الماضي الذي يتحول المستقبل إلى عود إليه.

 

ولا يفارق هذا الإنسان دوائر الطاعة والتصديق في كل مجال، والرضا بما يأتي به القضاء والقدر دون مقاومةٍ أو تمردٍ، فالمقاومة كالتمرد خروج على الناموس الإلهي والاجتماعي والسياسي في آن، وطاعة الله فيما قدَّر على هذا الإنسان ويسره له هي الموازي الديني الذي تتأكد به طاعة السلطان، وإن جار...الخ".

 

- "... هذا الواقع ليس من صنع الأقدار ولا التاريخ، فالتاريخ نحن نصنعه كالأقدار التي يمكن أن