الصورة غير متاحة

د. حمزة زوبع

 

رقيق شكلاً وموضوعًا، فكل مَن سمعه ولم يرَه تخيَّلْه على النحو الذي هو عليه!! نحيل الجسم، أسمر البشرة، أضْفَت لحيتُه على وجهه بهاءً لا يمكن للعين إنكاره، ولا يمكن للقلب أن يخطئه.

 

عرفته قبل أن ألتقيه.. في كتابه الذي قلَّ نظيره في ساحات التربية والتزكية والتنقية والبحث عن الذات المفقودة، أعني كتاب (آفات على الطريق) غاصَ العالم الفذّ والداعية الموهوب في أعماق نفسي ونفس كل باحث في غيابات الحياة التي كادت تكون ظلماتٍ بعضها فوق بعض.

 

في هذا الكتاب المبدع، غاص بنا "نوح" في بحْر النفس وعجائبها، وقدَّم- وكأنه طبيب نفساني قل مثيله- تحليلاً نفسيًّا أكثر من رائع لِمَا يمكن أن يتعرَّض له المسلم من آفات، بعضُها يبدو للناظرين صغيرًا بينما هو في حقيقته مهلكٌ.. وأي إهلاك!!

 

ومن خلال هذا الكتاب أدركتُ أن الطبَّ النفسيَّ كان بحاجة إلى مثل هذا العالم الشرعي، وكلما قرأتُ أدركت أن نفوسنا غائصةٌ في وحْل الآفات، وأن "نوح" العالِم جاء ليأخذ بأيدينا أو على الأقل بيدي أنا؛ لكي نعرف ذواتنا، ونعيد اكتشاف أنفسنا في ظل ما يَعتريْنا من عيوب وآفات قد تُنهي أعماله الصالحة، وهو لا يدري أن آفةً واحدةً مثل الرياء قد تُدخِل علماء ومفكِّرين ومجاهدين ومُنفقين في جهنم، والعياذ بالله!!

 

لم أكن قد رأيت الرجل، ولكنني تخيَّلته على النحو الذي رأيته عليه فعليًّا في مسجده بالكويت! كلماته في الكتاب هي نفس كلماته في الخطب والدروس.. نفس الروح ونفس الحماس ونفس التواضع ونفس الحب ونفس الشفقة تكاد تخرج من بين السطور لتعانقك وأنت تقرأ.. تكاد ترى السيد نوح يقصُّ عليك ويحكي لك ويحذِّرك بلين غير معهود، ويبشرك حتى تكاد تطأ بأقدامك الثريَّا.

 

في أول خطبة حضرتُها له في مسجده العامر بالكويت.. وما أن انتهى حتى قلت لرفيق لي إن هذا الرجل يتحدث حديثَ مَن يودِّع الدنيا، فقال- وهو أعرف به مني- هكذا هو منذ عرفناه، الدنيا ليست على أجندته إلا لتكون معبرًا للآخرة.

 

بادرتُه.. إنما أعني أن الرجل وقد بدت عليه ملامح المرض- قد يغادر دنيانا من فرط حلاوة كلامه وعذوبة منطقه وروحانيته العالية، التي ترفض أن تهبط بك إلى الأرض، فتكاد تشعر فعلاً بأنه ليس من أهلها.

 

قال لي محدثي: بل هو هكذا دومًا.

قضيت الصلاة.. حاولت المرور للسلام عليه وشكره على الخطبة الموجَزة المعجِزة.. والتي لم يرتفع فيها صوته، ولم يصرخ ويندد ويهدد ويتوعَّد أو يسبّ أو يشتم كما درجَتْ عادةُ الخطباء في عصرنا الحديث.

 

حالت بيني وبينه جموعُ المصلين.. الكل يركض نحوه.. هذا يقبِّل جبينه.. وذاك يقبِّل يده، وهو يرفض ويتمنَّى على مَن يفعل ألا يفعل ذلك ثانيةً.. أكثر من نصف ساعة أخذها في الطريق من داخل المسجد حتى خارجه، وبالمناسبة المسجد ليس ضخمًا كما يتصوَّر البعض..

على باب المسجد تجمَّع أصحاب الحاجات..

يا شيخ سيد، ابني محجوز في المستشفى، عايزين توصية..

يا شيخ سيد، فلان متخلِّف عن سداد رسوم الإقامة ومحتاج مساعدة..

يا شيخ سيد، فلان قريبه مات ومحتاج يسافر للصعيد..

يا شيخ سيد، ابني جاء من مصر ونبحث له عن عمل..

يا شيخ سيد، أبويا وأمي جاءوا من مصر زيارة، وعايزين معرفة عشان يحجُّوا السنة دي من الكويت..

 

والشيخ يبتسم ويردّ ويتواصل ويعِدُ، ويدعو الله أن يوفق.. كان موفقًا غايةَ التوفيق.. كان السائل يسأل، وفَورًا يجد الشيخ سيد مِن بين الحضور مَن يستجيب.