كلمات هادفة ومجمَّعة قالها الإمام المجدِّد حسن البنا عن الشيخ رشيد رضا وهي: "نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضُنا بعضًا فيما اختلفنا فيه"، وأردفها بكلماتٍ تهدف إلى مثل هذا الهدف وهو وحدة الأمة.
قالها هذا الإمام المجدِّد في وقتٍ قد امتلأ العالمُ وبلادُ المسلمين فيه بالشحْناء والبغضاء والتعصُّب للمذاهب المختلفة والتناحُر فيما بينهم- بل إن الأمر قد وصَل بهم إلى أنَّ بعضهم كان لا يصلِّي خلفَ الآخر إلا لضرورة- ومصارعات عدة بين السلف والخلف والمعطِّلة، وغيرها من المذاهب في تأويل آيات الصفات وغيرها.
قد ذهب العالم وقتَها إلى فِرَق متضاربة، ولم يكن هدف الفرقة منهم الإصلاحَ والوحدةَ، ولكن هدفها أن تعلوَ هي وحدها عن باقي الفرق والمذاهب، وهذا ما قد أفلح فيه الغرب وقتها "فرّق تسُد".
مَحَت هذه الكلمات "المجمَّعة" بعضًا من التناحر والتعصُّب والخلافات والتضارب، إلى أن هدأت النفوس قليلاً واستقرت الأحوال إلى هدف رئيسي، وهو الإصلاح، وسرعان ما عاد الأمر إلى شيءٍ مما كان عليه، ولكن على شكل آخر، وهو مواجهة كل مَن هو ذو فكر معتدل وَسَط، ويتبنَّى مقولة هذا الرجل المجدِّد بالعنف والضرب وبعض أنواع وأساليب الضغط ليتخلوا عن هذا الفكر.
فتلقَّى أصحاب هذا الفكر ضرباتٍ عدة، ولم يتخلَّوا عن ما هم عليه، فلجأ معارِضوهم إلى صورة أخرى، وهي العودة إلى الشكل القديم ليحدث ما كانوا عليه، وهو التفريق.
فبصورة واضحة "قاموا بالإتيان بأناس من أصحاب الفكر المتشدد ومعاونتهم ومساعدتهم وتوفير مناخ الدعوة لهم وإعلاء آرائهم، والهدف الرئيسي من هذا هو مجادلةُ وتعطيلُ كلِّ من تبنَّى الفكر المعتدل والوسط؛ لأنه من أسرع الأفكار انتشارًا بين الناس، وهذا ما لا يريده من يعاونهم".
هؤلاء المجادلون هم جماعات على هيئة دعاة، يتبنَّون الفكر المتشدد، أو إن شئت فقل "تيار الفكر المعارض للفكر الإسلامي الوسطي"، جاءوا منتمين لدين الله وشرع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ولكن لا أعرف، هل يفهمونه حقًّا بهذا التشدد؟ أم أنهم وجدوا من يعاونهم بتبنِّيهم هذا الفكر، فعاثوا في الأرض بدون تفكير لما تريده الأمة، وظلوا على ذلك وهم على يقين بأن ما يسيرون عليه قد يكون تعطيلاً لنصرة الأمة المنكوبة؟!
جلستُ مع أحدهم ذات مرة نتناقش في أمور الدين وأمور الأمة، ودعوت نفسي وإيَّاه لمحاولة المشاركة مع المصلِحين الذين يريدون مصلحة هذه الأمة ورفعتها، ثم انتهينا من الحوار ولم نخرج منه بأي نتيجة إلا الجدل.
فكنتُ عندما أقول أنا لا أرضى بالظلم والفساد، وأحبُّ المشاركة مع المصلِحين الذين يريدون هداية الأمة إلى الخير ويخافون عليها.. تجده سرعان ما يتهم هذا الفكر بأنه خروجٌ على الحاكم!! تتعجَّب حينما يقولها!!
وهل أنِّي غيرُ راضٍ عن الظلم الواقع في بلدٍ ما هل يعدُّ هذا الفكر خروجًا على الحاكم، رغم أن مقولتهم واضحةٌ وضوحَ الشمس، وهي "إذا أدَّت الحكومات ما عليها من واجباتٍ فلا بد من مساعدتها بالنفس والمال، وإذا لم تؤدِّ حقَّها فعلينا النصح والإرشاد، ثم الخلع والإبعاد، وفي النهاية لا طاعةَ لمخلوق في معصية الخالق"، أظن أنه لم يقرأْها، أو قرأَها ولم يعلِّق عليها لأنها ليست محلاًّ للجدل، وهذا ما لا يريده.
تعرض عليه مقالةٌ لشخص ذي فكر معتدل، فربَّما ترك المقالة كلها التي لا غبار عليها وعلَّق على كلمة واحدة من المقالة، وقد يكون ما يشغله في تعليقه على هذه الكلمة ربما أخطأ الكاتب في كتابتها باللغة العربية، أو ربما ليست على ما يشتهي هو، فتقوم الدنيا، فإن كانت مقالةُ هذا الكاتب في جريدة كان مآلُها أسفلَ الأقدام، وإن كان على موقع إليكتروني مثلاً فهذا من حظِّ الكاتب!!
آخر ما سمعت للشيخ علي الجفري في هذا الموضوع أن هناك تلميذًا سمع عالمًا يذكر حديثًا عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بدون العنعنة، فقام وقال: لو سمحت يا شيخ، اذكر العنعنة، وبلهجة مصحوبة معها مجادلة وعدمُ تقديرٍ له، فقال له العالِم: عن فلان عن فلان عن فلان عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثم نصَّ الحديث، فهدأت نفس الطالب، وقال أحسنت يا شيخ، فقال له وأنت لم تحسن!! قال: لم؟! قال: أصحاب العنعنة هم البقَّال الذي بجوار الشارع، والثاني هو الخبَّاز الذي في منتصف الشارع، والثالث هو.. إلخ، فكان التلميذ ما عليه إلا أن جلس ولم يقم مرةً ثانية".