70% من المشاهدين العرب للأفلام الوثائقية يفضلون قناة (الجزيرة) تليها قناة (العربية)، ثم (الحرة)، والتي يفضلها المصريون أكثر من غيرهم، وأكثر من 80% من الجمهور يشاهدونها أكثر من القنوات الإخبارية.
الموضوعات المفضلة للأفلام الوثائقية متنوعة، وإن كانت أكثرها تفضيلاً التاريخية والسياسية، ويتحمل الجمهور الفيلم المتوسط الطول والطويل، ولدى المشاهد العربي القدرةُ على تحديد القنوات التي تعرض أفلامًا تتفق وتوجُّهاتها، وهو يشاهدها من أجل التسلية والاستمتاع والإثارة، وهي أسباب تتفوَّق أحيانًا وتندمج أحيانًا أخرى، مع الأسباب العقلية والنفعية للمشاهدة، كتعديل الأفكار وتوسيع الرؤية للحياة.
إلا أن الفوائد المتحققة من المشاهدة قد تتعدَّى هذه الأمور، فتزيد من معلومات الجمهور، وخاصةً السياسية والاجتماعية منها؛ مما يجعله قادرًا على تنمية تفكيره وتنمية قدرته على الحوار، وزيادة قدرته على المشاركة السياسية، وتنشيط الاهتمام بالأحداث الواقعية والتاريخية، فيصبح أكثر فهمًا للأحداث المتلاحقة والقضايا الحيوية، وخاصةً السياسية منها والاجتماعية والدينية.
هذه بعض نتائج دراسة ميدانية أجريتُها على عيِّنة من المشاهدين العرب للأفلام الوثائقية، وهي نتائج لها من الأبعاد الثقافية ما يستحق وضعه في الاعتبار، وخاصةً بعدما ظهرت الوثائقيات الفضائية التابعة للقنوات المتخصصة، مثل قناتي (الجزيرة) و(المجد) الوثائقيتين، فهل تعتقد أننا على المستوى الذي يسمح لنا بالتخصص؟ أم أن الحكاية ساعات بثّ وفَّرتها الأقمار الصناعية؟!
ربما تستطيع القنوات الوثائقية المنبثقة عن القنوات المتخصصة الحفاظَ على الجمهور الأصلي للقناة، وترفع من درجة مصداقيته لها، وتضمن إعادة بث البرامج والأفلام الوثائقية من خلال محطة متخصصة غير مرتبطة بالأحداث الجارية أو القضايا المُثارة على الساحة الإعلامية، وتتيح الفرصة للمشاهدين والمتخصصين لمشاهدة البرامج والأفلام الوثائقية القديمة التي لا تتاح لهم مشاهدتُها في قناة أخرى، وتشيع الثقافة التوثيقية لدى الجمهور العربي، إلا أن هذه المميزات والخصائص لا تستطيع الصمود أمام 90% من المنتجات الوثائقية المستوردة التي تعتمد عليها (الجزيرة) الوثائقية على سبيل المثال، فنحن هنا أمام غزو ثقافي وفكري وعقلي لا يؤثر فقط في المشاعر والأحاسيس والتي تلعب عليها الأفلام الدرامية.
هذا النوع من المنتجات الإعلامية يرتبط بالواقع، وهو ما يجعله أكثر تصديقًا حتى لو كان جزءًا منه، وحتى لو علم الجمهور أن القناة التي تبثّه قناةٌ أمريكيةٌ ولها توجهاتها ضد القومية الإسلامية والقومية العربية والتي تحاول طمسَها وإلغاءَها من القاموس اللغوي للعرب والمسلمين لتحلَّ محلَّها منطقة الشرق الأوسط بكل ما تعني الكلمة من التجزئة وعدم التوحد تحت أيٍّ من الثوابت الثقافية.
إن البحث المذكور يبيِّن كيف أن المشاهد يحقِّق مع الفيلم استمتاعًا وتسليةً وقضاءً للوقت، وهذا الأمر ما يسهِّل تقبُّل الفكرة والمضمون، فالفيلم ليس مادةً إعلاميةً جافَّةً كالخبر، وإنما في كثير من الأحيان يعالج الحقيقة برؤية الفنان مبدع الفيلم، فيغيِّر ويضيف ويحذف من الحقيقة؛ ليجد المشاهد أمامه عملاً فنيًّا يندمج معه ومع شخصياته، ويتقبَّل التعليق والحوار مع علمه بأنه جزءٌ بسيطٌ من الحقيقة وأنه الواقع كما يراه الفنان.
والأخطر في الأمر هو التزييف والتضليل، وما قناة (الحرة) عن ذلك ببعيد!! فعندما تشاهد القاهرة في فيلم وثائقي على هذه القناة تجد المدينة وقد ملأتها القمامة والمتسوِّلون وأطفال الشوارع، وتشاهد الناس تتخطَّف لقيمات الطعام، وتشاهد البؤس والشقاء على وجوه المارَّة في شوارع القاهرة، فما مساحة الحقيقة في هذا الفيلم؟! إنه الواقع من وجهة النظر السياسية وليس الفنية أو الإبداعية.
وللأسف بيَّن البحث أن المصريين يتفوَّقون على غيرهم من العرب في مشاهدة هذه القناة، ولنا أن نبحث عن إجابة، فهل هي ضعف قومية أو مواطنة؟ أم الإحباط الذي يعيشه الشباب المصري؟ أم فقدان الثقة في الإعلام المصري والعربي؟ كلها تساؤلاتٌ الإجابة عنها مُرَّة!!
إن عرض الفيلم الوثائقي في القنوات المتخصصة يكون ضمن البرامج الإخبارية التي غالبًا ما تجيب عن تساؤلات العديد من المشاهدين، ويساعد على توسيع معرفة الخبر، والوقوف على أبعاده، أما عرض الفيلم الوثائقي في قناة وثائقية متخصصة فربما يفتقد هذا النوع من الترابط الموضوعي بين المواد الإعلامية المعروضة، إلا أن الجمهور يجد فيها الجِدَةَ والمعلومةَ والتاريخَ وسُبُلَ الحجة التي تساعده على الوصول لقرار وتنمية الحوار لديه.
ولكن هل تعتقد أن كثافة المشاهدة للفيلم الوثائقي يمكن أن تُخرج المشاهد من واقعيته وتبعده عن الحقيقة؟! إذا كانت الدراسات الإعلامية والمتخصصة بيَّنت في معظم أنواع المنتجات الإعلامية أن الكثافة في الاستخدام والمشاهدة تؤدي إلى نتائج سلبية، وعلى سبيل المثال كثافة مشاهدة الطفل لأفلام الرسوم المتحركة تؤدي لمحاكاته للسلوك السلبي، وكثافة مشاهدة البنات للإعلان تؤدي لكثافة الشراء، وكثافة مشاهدة أفلام العنف والجريمة تؤدي إلى زيادة عدد الجرائم والجانحين، وكثافة مشاهدة الأفلام الجنسية تؤدي إلى شيوع جرائم الاغتصاب، وكثافة مشاهدة برامج الطبخ تؤدي إلى السِّمْنَة!! فإننا نستطيع أن نفترض هذا الأمر بالنسبة لكثافة مشاهدة الأفلام الوثائقية، خاصةً إذا كانت ذات توجهاتٍ سياسية، وهذا ما توفره القنوات المتخصصة في هذا المجال.
إن الحجة ليست في الريادة كما تعلن (الجزيرة) الوثائقية، ولكن الفيصل في القدرة على الوقوف أمام هذه التحديات.
------------
كلية الإعلام بجامعة 6 أكتوبر وجامعة الأزهر.