هلَّ علينا شهر رجب.. وأظلتنا أيامه المباركة.. وذكرياته- على مدار التاريخ الإسلامي- الأثيرة.. فلقد حدث فيه الإسراء والمعراج والهجرة إلى الحبشة، وفتح دومة الجندل، وفرض الحجاب، وغزوة تبوك، وتحرير القدس على يد صلاح الدين.. كما حدث فيه وعد بلفور 1917، ولعل أبرز هذه الأحداث جميعًا هو حادث الإسراء والمعراج.. حيث أُسري برسول الله- صلى الله عليه وسلم- من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم عُرج به- صلى الله عليه وسلم- من هناك إلى السماوات العلا.. ولقد كان ذلك بمثابة إعلان عالمي بأن خاتم النبيين- صلى الله عليه وسلم- هو نبي القبلتين وإمام المشرقَين، ووارث الأنبياء قبله، وقدوة الأجيال بعده.

 

وأرض الإسراء الآن أسيرة تحت سلطان يهود، يفعلون بأهلها الأعاجيب، تحت سمع وبصر كل الناس في العالم الإسلامي وفي الدنيا كلها.. يهدرون الدماء، ويدمرون الحياة.. يجرفون الأرض وينقِّبون تحت جدران المسجد.. توصُّلاً إلى هيكلهم المزعوم، وأكثر من ذلك يهوِّدون معالم القدس.. ويغيِّرون ملامحها إلى الملمح اليهودي ببناء الكثير من المستوطنات، وفتح باب الاستيطان فيها من شراذمهم؛ حتى تكون الأغلبية من السكان منهم، وحتى يتحقق ادِّعاؤهم أن القدس هي عاصمتهم الأبدية!!

 

ويحكي الشيخ رائد صلاح- رئيس الحركة الإسلامية في فلسطين 48، في حوارٍ معه نشرته مجلة (القدس) التي يصدرها مركز الإعلام العربي- أن مدينة القدس الشريف حاليًّا تتعرض لمؤامرة صهيونية، بما يؤكد أن ما يحدث إستراتيجية ثابتة لدى قوات الاحتلال لتهويد المدينة منذ احتلالها عام 1967، وبالتالي فهي مؤامرة خبيثة متكاملة الأركان لتهويدها والانقضاض عليها من قِبَل الجمعيات والمؤسسات الصهيونية التي تعقد فيما بينها صفقاتٍ مشبوهةً للاستيلاء على أرض المدينة وعقاراتها ودكاكينها، بمساعدة سماسرة الخيانة وعملائها، فضلاً عما قامت به وتقوم من أعمال الحفر والهدم.

 

وقد كانت أول جرائم الاحتلال اليهودي بمجرد دخول واحتلال القدس تدمير حارة المغاربة التي كانت ملاصقةً للحائط الغربي للمسجد الأقصى المبارك- كما دمّرت وقتها أكثر من 500 منزل في تلك الحارة.. دمّرت ما فيها من مدارس ومساجد ومؤسسات وآثار تتحدث بالمجد الإسلامي والعربي.

 

ويذكر أن الجريمة كانت بشعةً لدرجة أن الشهود من أهلها، وما زالوا أحياء، يؤكدون أن الجرافات الصهيونية يومها لم تتردَّد في هدم البيوت على الأهل الذين رفضوا الخروج من بيوتهم، واستُشهدوا تحت الأنقاض.

 

ومن المعالم التي نحب دائمًا أن يذكرها المسلمون وكل الأجيال المتعاقبة ولا تندثر بمرور الوقت والزمن أن الزاوية الغربية للمسجد الأقصى كانت مقبرةً تاريخيةً إسلاميةً عربيةً، وكان بها أبطال رفعوا راية الحق والكرامة.. هذه المقبرة قد أزيلت.. فأزالوا بذلك الأحياء والأموات ولم يرحموا حيًّا ولا ميتًا.

 

كما كانت هناك مقبرة تضمُّ جيل الصحابة، كعبادة بن الصامت وشداد بن الأوس وغيرهما من الصحابة والتابعين وقافلة المجاهدين التي وقفت ضد كل معتدٍ ظالم، وكانت هذه المقبرة بجوار الجانب الشرقي للمسجد، وقد قامت الجرافات بتدمير مساحات واسعة من المقبرة بعد أن دمرت وداست على كل القيم قبل ذلك.

 

ويهمني في هذا المناسبة أن أضع أمام المسلمين- وخاصة الشباب منهم- صورةً واضحةً على ما يحدث في مدينة القدس، في الوقت الذي ينشغل فيه الجميع عن هذا المكان الحساس والمقدس بأمور جانبية وأعمال هامشية من شأنها أن تكرِّس هيمنة الكيان العدو على المدينة، ثم هي وبالتعاون مع كل أعداء الإسلام توقع بين أهل القضية من الفلسطينيين وتبذر التناحر بينهم، وتبعدهم عن أسباب النصر والوحدة وتصطفي فريقًا وتبعد آخر بمقاييس القرب أو البعد عن تحقيق الأهداف الحقيقية للكيان الصهيونى الغاصب.

 

وعن الحفريات أسفل المسجد الأقصى فإن الكيان الصهيوني منذ أربعين عامًا، وبمجرد احتلال الأقصى بدأت عمليات الحفر أسفل المسجد، وكان موشى ديان- وزير دفاعهم في ذلك الوقت- هو الذي قصَّ شريط الجرائم الصهيونية ضد الأقصى، واستمرت الأنفاق لمدة أربعين عامًا، وكل حجر في المسجد- كما يذكر الشيح رائد صلاح- يستغيث بالحاضر الإسلامي والعربي والفلسطيني، ويصرخ: "إنهم يخرقون أساسي من تحت الأرض بلا توقُّف".

 

ونجد الآن في هذه الأيام الأخيرة أن المؤسسة الصهيونية قامت بحفر شبكة من الأنفاق تحت المسجد الأقصى المبارك في أكثر من اتجاه وعمق،وبكل ألم وحسرة ووجع كان الغيورون على المسجد الشريف يتحدثون عن جريمة أنفاق تحت المسجد الأقصى.

 

الآن هناك جريمة أنفاق جديدة تحت الأنفاق الأولى وكلها تحت الأقصى؛ لدرجة أن منظمة اليونسكو- صاحبة المواقف المتلونة- كتبت في أحد تقاريرها قبل سنوات أن الصهاينة كانوا يستخدمون (الحوامض) الكيماوية لتذوب حوائط المسجد الأقصى، كما أكد العلماء الجيولوجيون أن المنطقة قد تشهد زلزالاً مدمِّرًا سيخلِّف آلاف القتلى والجرحى.

 

وليس ذلك فقط، بل وصلت الأنفاق إلى عمق المسجد الأقصى، ووصلت بالتحديد تحت منطقة الكأس التي تقع قرب الصخرة المشرفة، كما وصلت إلى أعماق الأسس والأركان، والمدينة التي كانت مغروسةً في الأرض أصبحت الآن مكشوفةً، وبالتالي أصبح بناء الأقصى في خطر، وتحوَّلت هذه الشبكة من الأنفاق إلى منشآت استعمارية، كما افتتحوا أيضًا تحت الأقصى منذ عدة شهور (متحف صهيوني) باسم قافلة الأجيال وهو عبارة- كما يحكي الشيخ رائد صلاح- عن 6 غرف، في كل غرفة من هذا المتحف مجسمات ترمز إلى حقبة صهيونية، ولا يخفى ما في ذلك من تحدٍّ للواقع العربي والإسلامي والفلسطيني، وكأنهم يريدون أن يقولوا للجميع: إن المستقبل الصهيوني قائم تحت المسجد الأقصى المبارك.

 

هذا ما يتم تحت المسجد، أما ما فوقه وداخله فإن المجازر الصهيونية تتم عيانًا بيانًا داخل المسجد، وكان بعض المصلين يُستشهدون وهم يصلون، كما أن من الجرائم البشعة التي لا تُنسى احتلال أبنية كانت جزءًا لا يتجزَّأ من المسجد الأقصى، وكانت تسمى (المدرسة الطنجرية) كل حجر فيها يمثل حضارةً إسلاميةً.. وبعد عام 1967 تمت مصادرتها وتحولت إلى مركز احتلالي للصهاينة حيث يرصدون عورات المسلمين.. ويطلقون النار على المصلين فضلاً عن اقتحام المسجد وقت اللزوم.. ليس ذلك فقط.. إنما أعلنوا أنهم يعتزمون تدمير كل المدرسة لأنهم يريدون أن يبنوا على أثرها كُنيسًا كبيرًا له أبواب تطل مباشرةً على ساحات المسجد الأقصى الداخلية بهدف أن يفرضوا تقسيمًا احتلاليًّا على المسجد الأقصى من الداخل وهم ينفذون الجريمة.

 

وقد شاهدنا منذ شهور قليلة محاولتهم إزالة طريق المغاربة.. وحدثت ضجة إعلامية وهاج المسلمون وماجوا.. ثم ما لبث أن خمدت ثورتهم.. وعاد الصهاينة للعمل على إزالة هذا الطريق بالأيدي وبالجرافات.. والآن يصرحون أنهم بعد إزالة طريق المغاربة وينكشف لهم مسجد البراق سيحلونه إلى كنيس يهودي.. حيث يفرضون واقعًا مزيفًا باطلاً تدريجيًّا.. نحو الوصول إلى حلمهم الأسود الأخير.. وهو إقامة هيكل على حساب الأقصى.

 

هذه بعض الجرائم التي تتم من قبل الصهاينة للمسجد الأقصى.. والتي تستهدف هدمه ليقيموا مكانه هيكلَهم المزعوم والذي لم يجدوا له أثرًا طوال السنوات الماضية منذ بدأوا عمليات الحفر وعمل الأنفاق.. ومع ذلك.. وبكل تبجح يستمرون في جريمتهم..

 

والسؤال الآن: أين المسلمون؟.. وأين الغيرة والحمية لاستنقاذ المقدسات؟.. وهل مات الحس الإسلامي في الجميع حكوماتٍ وشعوبًا؟.. وهل وصل بنا العجز والخنوع والضعف والذلة إلى الدرجة التي لا يستطيع معها أحد أن ينبس ببنت شفة في المحافل المحلية والإقليمية والعالمية؟.. وهل صرنا هكذا ألعوبةً ودميةً تحركها القوى العالمية المعادية للإسلام..

 

يصمت البعض صمت القبور.. وإذا تكلم البعض الآخر.. فإن كلامه يكون معبرًا من مصالح الأعداء، ومحققًا لأهدافهم وأطماعهم، وضاع أو خفت بين هذا وذاك صوت المقاومة ونداء الممانعة.. وزاد حصاره وإقصاؤه.. ولكن إلى حين؟.. ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ (الشعراء: من الآية 227).