الإخوة الأحباب.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد..

فيَطيب لي أن أتوجَّه إليكم أنتم أيها الإخوان بهذه التوجيهات والتوصيات، راجيًا أن ينفعَ الله تعالى بها، وأن يجعلَها نبراسًا يضيء الطريق، خاصةً في هذا المنعطف التاريخي المهم من تاريخ شعبنا وأمتنا.

 

وما دفعني إلى إسداء هذه النصيحة إلا حبي لكم ولهذه الدعوة المباركة ولهذا الشعب الطيّب، وأداءً لواجبٍ أمرنا الله تعالى به، مصداقُ ذلك قولُ النبي- صلى الله عليه وسلم-: "الدين النصيحة.. قلنا لمن يا رسول الله؟! قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم".

 

ومن هنا أقول لكم إذا كانت النصيحة واجبًا عليَّ فهي واجبٌ عليكم أيضًا، فلا تبخلوا أو تضنُّوا بها عليَّ أو على إخوانكم، ورحم الله امرءًا أهدى إليَّ عيوبي.

 

اقترِبوا من الناس أكثر وأكثر، فالناس يحتاجون إلى مَن يفهمهم، ويَضمِد جراحهم، ويرفع المعاناة عنهم.. خالطوهم واصبروا على أذاهم، فـ"المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خيرٌ من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم"، كما جاء في الحديث.

 

إن معظم الناس فيهم طيبة وأصالة وفطرة نقية، وإقبالٌ ومَيلٌ إلى الحق واتّباعه.. ارفُقوا بهم، وأحسِنوا إليهم، "فقد جُبلت النفوس على حبِّ من أحسن عليها".. يقال: أحسِن إلى الناس تستعبد قلوبهم، ومتى لانت هذه القلوب أضحى أصحابُها أداةً هيِّنةً طيِّعةً.. أحبوهم في الله ولله.. تلك العملة النادرة، خاصةً في هذا الزمان الذي طغت فيه المادة وغلبت فيها الشهوات، لا تُشعروا الناس أنهم دونكم أو أنكم أعلى منهم، فلربما كان من هؤلاء الناس مَن هو أقرب إلى الله منكم.. شاركوهم أحزانَهم وعيشوا أفراحهم.. لا تبتعدوا عن مشكلاتهم، وأعينوهم عليها، واشغلوا أنفسكم بها، وامشوا في حوائجهم، وزوروا مرضاهم.

 

أيها الإخوان..

كونوا قدوةً لغيركم علمًا وفقهًا وتواضعًا، ومُثُلاً عُليا لقِيَم الإسلام العظيم الذي تحملونه.. كونوا قدوةً للناس بساطةً وسماحةً، وصدقًا وطهارةً ونُبلاً.. كونوا قدوةً لغيركم عزمًا وصمودًا وإيمانًا وثباتًا في مواجهة التحديات والعواصف.. لا بد أن يشعر الناس أنكم ضالَّتُهم، وأنهم يجدون عندكم مبتغاهم، لا بد أن تكونوا من الذين يألفون ويؤلفون، وأن يرى الناس منكم كلَّ ما يتصل بمكارم الأخلاق، ويبتعد عن كل ما يخلّ بالمروءة، كونوا قدوةً لهم في صلة الرحم، والإحسان إلى الجار، والالتزام بالعهود، والإقلال من المزاح، والإكثار من الجد، والإقبال على المسجد، والصلاة في جماعة.. كونوا قدوةً لهم في البذل والتضحية والكرم والجود والعطاء والفداء..

 

الإخوة الأحباب..

أنتم في حاجة ماسَّة إلى التنقيب بين صفوفكم عن المبتكرين والمبدِعين، وعن أصحاب المواهب الخلاَّقة، والإمكانات الفذَّة غير العادية، ولا يمكن أن يُتاح ذلك إلا من خلال الالتزام بالشورى كمنهج وخلُق، وما يتطلبه ذلك من تهيئة سُبُل الحوار والمناقشة وطَرْح الأفكار، مع الوضع في الاعتبار أن تكون الشورى في غير ثوابت الجماعة، سواءٌ الفكرية أو التنظيمية.

 

إن القيادة ليست تحكُّمًا أو تجبُّرًا، لكنها ودٌّ ورحمةٌ، وحِلمٌ وصَفْحٌ، وعقلٌ وحكمةٌ، مع حسمٍ وحزمٍ، وإرادةٍ وعزيمةٍ، وشجاعةٍ وإقدامٍ، وتحمُّلٍ للمسئولية وقيامٍ بأداء الأمانة على وجهها الصحيح، ولْيعلم أصحاب القيادة أنها تكليفٌ لا تشريف، وأن هذا التكليف ليس أبديًّا، فقد ينتهي أو يتوقف في أي وقت، وأما السمع والطاعة فيجب أن يكون في المعروف، وفيما يتفق وقيم الإسلام ومبادئه، وفي إطار ثوابت الجماعة والسياسة العامة لها.

 

الإخوة الأحباب..

اعتزوا بجماعتكم، فقد توفَّر لها على يد الإمام البنا أمران عبقريان: عبقرية التأصيل الفكري والفقهي، وعبقرية التنظيم، فأما عبقرية التأصيل الفكري والفقهي فتكمُن في أصالة الفكرة، وسلامة المنهج، ونُبل الهدف، ويتجلَّى ذلك في أركان البيعة العشرة: "الفهم، والإخلاص، والعمل، والجهاد، والتضحية، والطاعة، والثبات، والتجرد، والأخوَّة، والثقة"، وأما عبقرية التنظيم فتشتمل على حسن البناء، ودقة المراحل، وسلاسة الوسائل، ويتضح ذلك في اعتبار التربية أساسَ ارتقاء الأفراد.. والحب في الله تعالى هو اللحمة التي تربط بين اللبنات..

 

المؤسسية قاعدة البناء.. والتخطيط الجيد والالتزام الدقيق والجهد المتواصل هو شعار كل المراحل.. واستثمار كل الطاقات والانتفاع بكل المواهب لازمٌ للنهوض بالأعباء.. والقدرة على الحركة والانطلاق ضروري لسد الثغرات ومواجهة التحديات والوصول إلى الغايات..
لأجل ذلك كله استعصت هذه الجماعة المباركة على الجبَّارين والطغاة، وفشلت كل محاولات النَّيل منها، رغم قسوتها وعنفها، وأخفقت كل الضربات التي وُجِّهت إليها، رغم ضراوتها وشراستها، وسوف تبوء بالفشل بإذن الله كلُّ المحاولات مهما كانت حدَّتها وبشاعتها!!

 

إن الجماعة ماضية في طريقها، غير عابئة بحملة هنا أو ضربة هناك، إلى أن تبلغ أهدافها بتوفيق الله جلَّ وعلا، إن عاجلاً أو آجلاً، "وإن غدًا لناظره قريبٌ".

 

لكم أن تفخروا بشهدائكم الأبرار.. نحسبهم كذلك.. الذين سبقوكم على الدرب، وقدموا أنفسَهم وأرواحَهم من أجل دعوتهم.. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (الأحزاب: 23).

 

وإلى أن نلتقي أرجو الله تعالى أن يوفِّقَنا وإياكم إلى ما يحبه ويرضاه، وأن يجعلَنا من جنده العالِمين العاملين.

---------

* النائب الأول للمرشد العام للإخوان المسلمين.