بقلم: حسين عبد الظاهر
في أول مشاهد فيلم (الشيطان يعظ) المأخوذ عن رواية الأديب الراحل نجيب محفوظ، يذهب البطل "نور الشريف" إلى أحد الفتوَّات القُدَامى "توفيق الدقن"، يطلب منه أن يدلَّه على طريق "الفتونة"، حتى يصبح فتوةً مهابَ الجانبِ، وكل أهل الحارة يخشون بأسه، وتدور الأحداث إلى أن تصل إلى نهايتها، ومع المشهد الأخير تنتهي الرواية من حيث بدأت، فيأتي "سعيد صالح" ليطلب من "توفيق الدقن" نفس الطلب.. أن يدلَّه على طريق "الفتونة"؛ فيرد عليه "الدقن" متهكِّمًا: "لما كل الناس عايزة تبقى فتوَّات.. طيب مين اللي هينضرب؟!".
تذكرت هذه العبارة وأنا أتابع "حُمَّى النجومية" التي باتت تجتاح الفضائيات العربية، وانشغل معها الجميع.. مشاهدون ومطربون وملحِّنون وصحفيون وإعلاميون.. فالكثير من المحطات الفضائية انشغلت- وشغلتنا معها- بتنظيم مسابقات اكتشاف المواهب وصناعة النجوم، وجميعها في الغناء والرقص و"التنطيط".. فرادى أو جماعات!!
وأهدر الناسُ أموالاً طائلةً في التصويت عبر الهواتف المحمولة، ومتابعة المجلات الفنية، واقتناء الإصدارات التي تتمخَّض عنها هذه المسابقات، وكلنا سمعنا عن حملات الاستنفار وإعلان حالة التعبئة العامة التي اجتاحت بعض الأقطار العربية لدعم ابن بلدهم في مسيرته المظفَّرة، أو لمؤازرة فتاتهم المدلَّلة وهي ترفع راية الوطن.. في ميادين الرقص والغناء!!
وتسابقت المحطات الفضائية في تقديم البرامج التي تدغدغ مشاعر الشباب في حلم النجومية الذي ينتظر كل من يشارك بتلك المسابقات، ولم يفُت هذه الفضائيات أن تستأجر بعض المغنين الذين أصبحوا نجومًا، يدعون الشباب للإقبال على المسابقة، مؤكدين أن بداية انطلاقتهم- بعد أن وصلوا لما وصلوا إليه الآن- كانت في مثل تلك المسابقات.
فالنجومية في انتظارك أيها الشاب إن حالفك الحظ وشاركت في المسابقة، فسوف تصدر الشركة التي ترعي المسابقة ألبومًا غنائيًّا للنجوم الجدُد وتصنع لهم الأفلام وتُجري معهم المقابلات وتنهال عليهم العروض السينمائية والتلفزيونية، ويُستقبلون في أوطانهم استقبال الفاتحين، وتُفتح لهم أبواب الشهرة والنجومية.
وتجاوبًا مع متطلبات السوق اللاهث وراء النجومية ظهرت بعض شركات الإنتاج الفني التي تنشر إعلاناتٍ لإعداد أشرطة كاسيت لمن يريد؛ حيث تتكفَّل الشركة بتقديم كلمات الأغنية وتلحينها وتوزيعها.. إلخ، ولا يهم توافر الموهبة أو حسن الصوت لدى "الزبون"، المهم الدفع.. فلو تريد "تعبئة" الشريط أنت لوحدك، فالمطلوب نحو 15 ألف جنيه، ولو تشارك بأغنية واحدة ضمن أغاني الشريط فالمطلوب 4 آلاف جنيه فقط.. حسب طلب الزبون، على طريقة فنادق الدرجة العاشرة التي تخيِّر الزبون.. "تنام دكَّه ولا سلِّم؟!".
الغريب أن الدعاة والمشايخ أصبحوا نجومًا فضائيين- حاجة حلوة اللهم لا اعتراض!!- لكن كيف يصل الأمر بأحدهم وهو يشغل منصبًا دينيًّا له مكانة كبيرة في النفوس أن يتحوَّل إلى مقدِّم برنامج تلفزيوني، ضيوفه بكل تأكيد هم أقلُّ منه علمًا ومقامًا، وغالبًا ما تأتي إجاباتهم فيها شيءٌ من النقص، فيُضطَّرُّ للتعقيب مكمِّلاً ما فاتهم من معلومات!!
وأصبح الصحفي أو الباحث السياسي في بلادنا الذي لم يستكمل الإلمام ببعض قواعد مهنته ضيفًا ثابتًا على إحدى المحطات الفضائية أو مقدِّمَ برنامج أسبوعي، ولا يجدون غضاضةً في رفع شعار "طبِّل في المطبِّل".. فتظهر برامج معادة ومكرَّرة من عينة "ملفَّات ساخنة" و"ملفات مفتوحة" و"ملفات نُصّ مفتوحة" و"ملفات فتحة من ورا" و"كلام في السياسة" و"سياسة في الكلام".. حتى أصبحنا أمةً تتكلم أكثر مما تستمع.
يا جماعة.. الرحمة حلوة، لو كلنا أصبحنا نجومًا.. طيب مين اللي هينضرب.. قصدي هيسمع؟!