يوسف القعيد

 

اهتمامي بدراسة التدين الشعبي في القرية المصرية له أكثر من سبب، يقف في المقدمة منها متابعة جميع ما يُكتَب عن القرية وأهلها من الفلاحين (أهلي وناسي)، ثم أنَّ صاحبَ الدراسة الدكتور عبد الباسط عبد المعطي ما زال قادرًا على إثارة الدهشة.

 

يمزج حقائق علم الاجتماع بروحٍ قريبةٍ من الأدب والفن، مع التزامٍ بموقفٍ مبدئي لا يعرف المساومة بالوقوف مع الفقراء والمساكين من أهل مصر، فضلاً عن أنَّ له اهتمامًا من نوعٍ خاص بالقرية المصرية منذ كتابه الجميل: توزيع الفقر في القرية المصرية دراسة أجراها على أربع قرى "العودة" بالشرقية و"بيبان" البحيرة و"شريف باشا" بني سويف و"الرزيقات" بقنا.

 

سأتوقف أمام مواقف الفلاحين من المسجد، كما أخبره أحد الرواة، كان المسجد مكانًا تشبع فيه الحاجة للدين، والحاجة للنظافة أيضًا لوجود حنفيات مياه نقية فيه، المسجد لعب دورًا مهمًّا في تشكيل الوعي الديني بالقرية، فالمسجد إطارٌ للتفاعل الإنساني والتعليم الديني، فالمنبر يتصدر حتى قلب المسجد؛ ولذلك فإنَّ الخطيبَ يحتضن الناس بكلامه وهو غير مَن يتكلم في مناسبة احتفالية جالسًا فوق مقعدٍ عالٍ فصله عن الناس، ومع هذا أتى له الإخباريون في القرى الأربع، فإنَّ ذلك يعود لمشاكل المسجد التي تمثلت في إشراف الحكومة عليه، بعض الخطباء يبررون تصرفات الحكومة ولا يدعون سوى للمسئولين، ابتداءً من القرية وتواضع المستوى العلمي للخطباء وفظاظة البعض في التعامل مع المصلين؛ مما أوجد معارضةً لهم من المتعلمين وإتيان بعض الخطباء لتصرفاتٍ تتعارض مع القيم الدينية التي يدعون إليها في خطبهم وتبرير بعض رجال الدين لتصرفات حائزي القوى بالقرية.

 

بل وإقامة علاقات اقتصادية وتجارية معهم وانحسار دور المسجد في الصلاة فقط، دون مناقشة أمور الفلاحين إلا في حدود ما يسمح به العمدة.

 

ثلاث أرباع العينة رأت أن بعض وجوه التيارات الدينية في القرية، وبالأخص من أبنائها وليسوا من الغرباء عنها، أعادت للمسجد أدواره فهم- علاوةً على الصلاة- يُقدمون الخدمات بأثمانٍ رمزيةٍ في التعليم والعلاج؛ مما أعاد المسجد كمنطقة جذب لسكان القرية، فهو يعلمهم أمور دينهم ويساعدهم في إشباع بعض الحاجات الدنيوية، فضلاً عن أنَّ بعض المتعلمين الذين يقدمون للناس معلوماتٍ دينية بعد صلاة العصر وصلاة العشاء، يقولون ما لا يقوله الخطيب الحكومي، فهم يعلمون الناس أمور دينهم ويتناقشون معهم في أمور دنياهم.

 

كان السؤال الرئيسي لدراسة الباحث هو في ضوء الواقع الاجتماعي للفلاح، وفي ضوء أشكال وعيه ماذا فعل تاريخيًّا؟ وماذا يفعل الآن إذا حدث تعارض بين مجتمعات الشرع أي الدين بأوامره ونواهيه كما يعيها وبين ضرورات إشباع حاجات حياته اليومية وما يتطلبه هذا الإشباع من تحقيق مصالح بعينها؟ إنها العلاقات بين الوعي الديني والحياة اليومية للفلاح.. إن السؤال الجوهري يلد أسئلةً أخرى عن كيفية توظيف الدين في الحياة اليومية، وكيف أسهم التدين الشعبي والوجود الاجتماعي للفلاح في شروط استمراريته أو محاصرته وتحديده في حدود الدنيا.

 

إن المسألة ببساطة: كيف يسَّر التدين الشعبي إشباع الحاجات الأساسية للفلاح؟ وكيف حافظت نشاطات الفلاح اليومية على التدين كعنصرٍ جوهري في هذه النشاطات يبقى أن نعرف أن مفهوم التدين الشعبي هو إدراك الناس وفهمهم واستيعابهم لقواعد الدين وأركانه وأوامره ونواهيه في المعاملات بين البشر، وفي العبادات وهو إدراك بعض التفصيلات وأنماط السلوك أي التصرفات والاختيارات والأفعال التي يقوم بها القروي، التدين الشعبي هو الوعي الشعبي بالدين.

 

وفي تناوله لدور المدرسة في مجتمع القرية من ناحية الدين يكتشف أن تأثيرها باهت؛ فالمقرر الديني لا يختار النصوص الملائمة للتلاميذ وغير الملائم لأعمارهم ولا يهتم المعلمون بتبسيط المعاني ولا الشرح الملائم للتلاميذ؛ ولذلك فإن التلاميذ يحفظون ب