يؤثر البعض ألا يتحدثوا أو يشيروا إلى "المؤامرة" أو أية مرادفات تؤدي إلى معناها.. عند الحديث عن أحوال المسلمين.. سواء في هذه الأيام أو فيما سبق من أزمان، ويلقون اللوم فيما أصابهم وما حاق بهم من أخطار- بل مآسٍ- إلى أمور من داخل المسلمين أنفسهم ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (الشورى: 30) ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 166) وقبل هذه الآية.. يسلط القرآن أضواءً قويةً على نفوس المؤمنين عندما تصيبهم مصيبةٌ أو تقع عليهم جائحة أو يباغتهم عدوهم فيصيبهم في مقتل.. فيعزو ذلك كله إلى المسلمين أنفسهم ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ (آل عمران: من الآية 165).
ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن تخلف المسلمين عن ركب الحضارة وأسباب التقدم العلمي يرجع إلى الركون والتكاسل والاكتفاء بقشور الحضارة أو الثقافة أو كما يذهب المفكر الجزائري المسلم "مالك بن نبي" فهم عنده "مستهلكون" لحضارة الغرب وليسوا "منتجين" لها، وشتان بين المنتج والمستهلك، ثم هناك سبب آخر لضعف المسلمين وتسلط الغرب عليهم واستعمار بلادهم ونهب ثرواتهم هو أنهم قد فقدوا الهمة والعزيمة التي يبثها فيهم الإسلام.. ولم تعد عندهم الإرادة القوية لتغيير الواقع الأليم الذي أصاب حياتهم في كل مجالاتها.. ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11) وليس ذلك فقط هو الذي أدى إلى انحطاط المسلمين "بحسب مصطلح الأستاذ الندوي.. إنما شيوع الفساد بين الناس.. واستبداد أصحاب السلطة من الحكام.. وانفرادهم بالحكم بعيدًا عن الشورى أو حتى الأخذ بالأساليب الديمقراطية الحديثة التي لا تتصادم مع الإسلام.. مما أشاع نوعًا من السلبية والانسحاب من الحياة العامة وإيثار السلامة والأمان الفردي والخلاص الشخصي.
إلى هذا الحد يمكننا أن نتفهم وجهة نظر من ينفون أو يشطبون فكرة "المؤامرة" من مفرداتهم أو قاموسهم.. ويعتبرون ذلك مشجبًا نعلق عليه أخطاءنا وتخاذلنا وانهزامنا.. ولكن.. ومع أخذنا في الاعتبار كل ما سبق من حجج وبراهين لهذا الرأي.. هل لنا أن نتساءل:
- ما سر هذه الهجمة الشرسة على الإسلام التي تهدف إلى اقتلاعه من جذوره؟!
- وهل حقًّّا.. يقصدون محاربة الإرهاب وضرب معاقله في بعض البلدان الإسلامية؟
- وما هو الإرهاب من وجهة نظر أمريكا والغرب؟.. وهل هناك توصيف محدد له وتعريف كامل ومتفق عليه.. ومن المعلوم أنه قد عقدت المؤتمرات الدولية والإقليمية.. وصدرت الدراسات والبحوث العلمية.. ولم يصلوا بعد إلى هذا التعريف لمعنى الإرهاب في المجال الدولي أو الإقليمي أو المحلي؟..
- ولماذا ذلك الربط المتعسف بين الإرهاب والإسلام؟! بحيث أصبحت الحرب على الإرهاب تعني حقيقةً ويقينًا الحرب على الإسلام.
- وما معنى الهجوم الشرس على مناهج التعليم الإسلامي في كل بلاد المسلمين.. ورصد الأموال الضخمة لمحاربة دور تحفيظ القرآن.. وتقليص مستوى الدراسات والثقافة الإسلامية في المؤسسات التي تعنى بذلك؟
- ولماذا الحملات المتتالية على المظهر الإسلامي في الحجاب والملابس السابغة.. وإطلاق الأبواق المضادة والمدعومة بأموال مشبوهة للتصدي لتديين المجتمع.. ومحاولة إشاعة الفساد والانحرافات السلوكية.. وإبراز نماذج التحلل الخلقي والانحلال والإباحية في كافة وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة؟.
- ولماذا هذه المحاولات المستميتة لإفساد المرأة والفتاة المسلمة التي تقودها هيئة الأمم المتحدة عن طريق مؤتمرات السكان عبر بكين والقاهرة ونيويورك؟.. ولماذا يريدون أن يفرضوا مقررات هذه المؤتمرات على العالم الإسلامي.. مع أن كثيرًا من هذه المقررات تتصادم مع قيم الإسلام وأصوله وثوابته؟!
- وهل حقًّا يقصدون مصلحة الفتاة المسلمة عندما يريدون أن يمنعوا أو يحرموا زواج هذه الفتاة قبل سن الثامنة عشرة.. في الوقت الذي يفتحون أمامها الباب واسعًا لممارسة "الجنس الآمن" عمليًّا مع توفير عوامل منع الحمل لها؟؟!!
- وفي المجال العسكري.. لماذا هذا التدمير المتعمد لكل إمكانيات وثروات العالم الإسلامي.. والذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية بتحريض من اليمين المتطرف مدفوعًا بالفكر المسيحي المتصهين؟.
- ولماذا هذا الإصرار على نصرة "إسرائيل" بالحق والباطل.. والكيل دائمًا بمكيالين؟.
- ولماذا؟ ولماذا؟ ولماذا؟
- أسئلة كثيرة.. لا تنتهي..
كلها تلتقي عند نقطة واحدة، وهي العداوة الدفينة المستقرة في نفوس بعض المتعصبين من أهل الحضارة الأوروبية الغربية (وطبيعي الأمريكية من بينها) والتي تمخضت عن صراعات تاريخية وتربصات بين العالم الإسلامي والغرب.. وما زالت آثارها باديةً على نفوس الغرب حتى الآن.. وأعتقد أن المسلمين لا يحملون هذا الحقد المكتوم ولا يصرون على هذا العداء الأعمى.. والسبب في ذلك أن الإسلام قد عالج قضية العلاقة بين المسلمين وبين أهل الكتاب "النصارى واليهود" وأرساها على قاعدة "المودة والرحمة" بصفة عامة واستثنى فقط ﴿الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ﴾ (الممتحنة: من الآية 9).
- صحيح أن فكرة "المؤامرة" لا يجب أن تستولي على العقل المسلم كما قدمنا.. ويجب أن نطرحها جانبًا حتى لا نستسلم لعوامل العجز النفسي والضعف الوجداني.. ولكن لا بد أن نعترف أن الآخر لا يخلو تفكيره من تآمرٍ.. أو خطةٍ أو سياسةٍ عامةٍ.. أو إستراتيجية تجاه الإسلام والمسلمين.. ولا يجب إنكار هذا الأمر الخطير.. ولا نكون كالنعامة التي تدس رأسها في التراب.. غفلةً أو تغافلاً.. ثم تفاجأ بعد ذلك بهول المأساة وضياع كل شيء.
ثم يجب ألا نتغافل عن فطرية الصراع أو "التدافع" بين الناس.. هذا التدافع الذي تحيا الأرض في كل مكان وزمان بسببه.. فتتجدد الحيوية ويدب النشاط.. وتتقدم البشرية.. ولا تأسن الحياة وتعطب.. ثم إن هذا التدافع من شأنه إبقاء جذوة الإيمان.. والهداية.. والرشد.. مضيئةً وهاديةً.. ونحن-المسلمين- نتأدب بأدب الإسلام ونتخلق بخلقه.. ونحب الخير للناس.. كل الناس- أن ديننا رحمة للعالمين ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107).
- ورسولنا- صلى الله عليه وسلم- أرسل للناس كافةً، أي جميعًا.. وبالتالي فإنني أزعم أننا من جانبنا لا نتآمر على الآخر.. ولا نكن له العداوةَ والبغضاءَ التي دائمًا ما تبدو منه وتظهر في أقواله وأفعاله.. وما تخفي الصدور أكبر.
ونقول للذين يفترضون حسن النية وسلامة الطوية في الآخر الذي يبدي العداوة.. ويستبيح الدماء وينتهك الحرمات.. لا تغالوا في هذه الثقة ولا تركنوا لها.. والمؤمن ليس كالخِبْ.. والخب لا يخدعه.. ولا يلدغ من حُجر مرتين.. فما بالك إذا تكرر اللدغ مرات ومرات ومرات؟؟!!
ويبين لنا القرآن الكريم أن أعداء الأمة يعملون بمكر الليل والنهار على تدمير الحياة الإسلامية في مختلف مجالاتها الاجتماعية والفكرية والعقيدية والحربية وأنهم يتشوقون إلى زحزحة وردِّ المسلمين عن دينهم وأنه ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: من الآية 120) وإننا إذا أطعنا فريقًا منهم فسوف يقضون على ديننا من الجذور.. وأن الكفار مهما داهنوا وألانوا في الكلام والألفاظ فإن قلوبهم تنطوي على العداء العميق الذي لا يترك فرصةً للقضاء على المسلمين إلا ويغتنمها ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ (الممتحنة: 2).
وحتى نستبين خط أعداء الإسلام ونكشف سبيلهم ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ (الأنعام: من الآية 55).
1. علينا أن نتتبع الوسائل التي يتذرعون بها ويسيرون عليها منذ زمن بعيد بصفة عامة.. ومنذ الحروب الصليبية بصفة خاصة.. في مجالات التبشير والاستشراق.. وحركة الاستعمار والعلمانية والعولمة والصهيونية والماسونية وفلسفات الوجودية والماركسية.. إلخ.
2. ثم نبين دور المسلمين في درء مخاطر أعداء الإسلام.. والتفافهم حول دينهم وعقيدتهم وإيجاد المجتمع المسلم الرائد.. والتماس كل أسباب القوة المادية والمعنوية والإيمانية.. ولا نتهيب من طول الطريق.. ووعورة المسافات فالعبرة بالعزيمة الماضية والإرادة القوية والإيمان الجازم بالقضية.. ويومها يهيئ الله كل أسباب النصر والفتح المبين.. وما ذلك على الله بعزيز، وبالله التوفيق.