بقلم: د. حامد أنور*

التقدم العلمي والتكنولوجي الذي وصل إليه الغرب ليس بسبب منظومة القيم والأخلاقيات والسلوكيات التي خرجت من رحم الديانة العلمانية، لا بل لأنها أخذت بأسباب التقدم المتاحة للجميع وعطاء الله غير المحظور الممنوح لكل البشر، فالمسلم والكافر كلاهما يلقي البذرة في الأرض ولكليهما تنبت، والمسلم والكافر لكليهما تشرق الشمس ويضيء القمر وتمطر السماء، وما كان هذا الأمر ممنوعًا عن أحد من بني الإنسان، فيجب ألا يخدعنا، ولكن العلمانية كُتب عليها الفناء؛ لأنها فشلت في التعامل مع رأس الأمر كله، ألا وهو النفس البشرية، إن العلمانية تنظر إلى الإنسان على أنه آلةٌ ميكانيكيةٌ تتزوَّد بالوقود فتتحرك، تعطيه الطعام والشراب، وما يظن أنه إشباع الرغبات، فتظن بذلك أنها قد استجابت لمتطلباته، ولكن في الواقع هي فشلت؛ لأنها أهملت أهم شيء فيه وهو الوجدان.. الروح.

 

فالعلمانية لا تستطيع أن تفسِّر لماذا يعيش إنسان فقير في كوخ ويشعر بالسعادة، بينما الذي يتقلَّب في رغد العيش تحت مباهج قصر مشيد في واشنطن يُصاب بالاكتئاب ويتواعد مع رغبة الانتحار!! لا تستطيع أن تفسر لماذا قد ينهار إنسان لوفاة أحد أقربائه، بينما تُشيِّع أمهات الشهداء فلذات أكبادها بالأغاريد!! إن العلمانية أيها السادة لا تؤمن باليوم الآخر؛ لذلك فكل أتباع العلمانية مصابون بأمراض الاكتئاب والملل والشعور بالوحشة والانعزالية.

 

إن طبيعة الإنسان أن يصاب بالجزع حين تحلُّ المصائب عليه وحين تتلاقى الأزمات في معترك طريقه، فتجد الانتحار في اليابان مثلاً يصل لدرجاتٍ قياسية؛ لأنهم- كما قالت إحدى المسئولات عن مركز لمكافحة الظاهرة- "لم نستطع أن نربي أبناءنا على القدرة على مواجهة الأزمات، فيصابون بالانهيار مع أول لفحة ألمَّت مع أول نبتة فشل، وتجدهم يهربون في أمريكا إلى المخدّرات والهروب من الواقع إلى التغييب والتحليق في عالم خيالي من اللذة لم يجدوها على أرض الواقع العلماني الموحش، فأرادوا أن يخلقوها في عالم الأوهام والخيال".

 

وطبيعة الإنسان أيضًا ما إن ينزل عليه شلالاتُ الخير، فإنه يستأثر بها لنفسه ويمنعها عن غيره، ويشتعل حرصه وطمعه عليها، انظر إلى أمريكا وهي تلقي بأطنان القمح في المحيط كل عام من أجل ألا ينخفضَ سعرُه رغم الفقر والعوَز الذي يسحق البشر، انظر وهي تمنع أي تقنيات تكنولوجية عن الشعوب الأخرى، انظر إلى التقاتل في البورصات والصراع المحموم على تحقيق الربح ولو عن طريق امتصاص دماء الآخرين.. إنها ثمار العلمانية الظالمة للإنسان والتي تَئِدُ كائنًا يسمَّى الرحمة، ولقد أشار القرآن إلى ذلك كله في آيات معجزة رائعة حين تظهر الطبيعة التي جُبل عليها الإنسان ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلاَّ الْمُصَلِّينَ (22)﴾ (المعارج)، ثم تجد العلاج لهذا كله علاجًا يكبح جماح الرغبات الإنسانية المتدنية والأطماع البشرية غير المتناهية، ويهدِّئ منه جزعها وانهيارها في مواجهة الخطوب والأزمات حين يأتيها قبسٌ من النور الذي أُنزل على محمد.

 

فقد جاء في حديثٍ لسيد ولد آدم ولا فخر، والله لو لم يقل غيره لكفانا، يقول في حديث في صحيح لمسلم: "عجبًا لأمر المؤمن فإن أمْرَهُ كلَّهُ خير وليس ذلك لأحد غير المؤمن، إن أصابته سرَّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له"، حديث يجعل من نزلت به النوائب والصروف يصبر عليها لينال الخير كله، لا من تلاعبت به البلايا والأحزان، ويحتسب ذلك عند ربه، فتهدأ نفسه، وتستقر روحه، وتجعل من مَنَّ الله عليه بالخير يشكره وينفق منه ثمرةً لهذا الشكر، وانظر إلى عظمة النبي حين يقول "وليس ذلك لأحد إلا المؤمن" فينفي عن الشرائع الأخرى والقوانين الوضعية والأفكار الإلحادية قدرتَها على التعامل مع هذا الأمر، فيا لروعة ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم!!

 

إن القيم العلمانية تنظر إلى المرأة على أنها مجرد جسد وجسد فقط يتم الاستمتاع به أو استغلاله لترويج سلعة أو منتج، لا تنظر إليها كإنسان له طاقاتٌ وقدراتٌ أخرى، ولكنها حصرتها في هذه الزاوية؛ لذلك ترى نجوم القيم العلمانية إمَّا ممثلاتٍ أو مغنياتٍ أو عارضاتِ أزياءٍ أو فتياتِ إعلاناتٍ، أما في القيم الإسلامية نظرة واحدة لتاريخ الإسلام ترى نماذج النسوة اللاتي على قدْرٍ من الاحتشام والالتزام والرقيّ العقلي والعمل والإسهامات في سبيل الدعوة الكثير والكثير وهن النجمات الحقيقيات.

 

إن البعض يزعم أن العلمانية مظلَّةٌ يحتمي بها الجميع، وهذه ضلالاتٌ يروِّجها الدجَّالون في هذا العصر.. إن العلمانية لا تقبل إلا نفسها وترفض أي طرف آخر يتعارض مع سلوكياتها، وتسحق بشدةٍ من يهدِّد مصالحها.. انظر ما فعلته مع حزب الحرية في النمسا الذي نجح في الانتخابات، التي يزعمون أنها درَّةُ العلمانية، فقد اجتمعت عليه أوروبا كلها حتى أبعدوه عن زمام الأمر وصهوة الحكم، فأبى الله إلا أن يفضحهم، انظر ما فعلوه مع بيتر أرنيت مراسل الـ(سي إن إن) الشهير حين انتقد الخطة الأمريكية في العراق، انظر ما فعلته من قصف لمقر قناة (الجزيرة) في أفغانستان والعراق وإغلاق لمكاتبها..!!

 

فأين حرية الإعلام المزعومة؟! وأين الآخر الذي ترحب به العلمانية؟! إن العلمانية هي أعدى أعداء الحرية.. لماذا؟! لأنها عقيدةٌ هشَّة تنهار بسهولة شديدة أمام نداء السماء وشمس الحقيقة فتقضي على ظلامها القاتم وليلها الموحش وغياهبها الكئيبة، انظر ما تفعله فرنسا وحاليًا بريطانيا مع المحجَّبات فأين هم من القاعدة التي تقول: "لهم ما لنا وعليهم ما علينا"؟! يا للعار!!

--------------

* d.hamedanwar@yahoo.com