بقلم: د. علي محيي الدين القره داغي
رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
مما لا شك فيه أن هذه الحرب الأخيرة لها أهداف خطيرة. وآثارها السلبية جدا على المنطقة، ونحن لسنا في هذه المقالة بصدد الحديث عما فعلته إيران في سوريا وغيرها..
وإنما الذي يهمنا هنا أن نذكر رؤيتنا الشرعية، وبعض العبر والحقائق عن هذه الحرب المدمرة بإيجاز؛ لنستفيد منها:
أولا: أنها حرب الصهاينة لأجل حلمهم في تحقيق دولة يهودا والسامرة من النيل إلى الفرات. بل هي حرب نتنياهو لتحقيق وهمه في أن تتحول إسرائيل إلى دولة كبرى بجانب أمريكا، وتكون هي اليد الطولي المسيطرة على الشرق الأوسط كله، وقد قال مرارًا إن الهدف ليس التغيير في إيران فقط، بل في الشرق الأوسط كله، كما قال إن التاريخ يثبت أنه لا أفضلية للمسيح على جنكيز خان، قاصدًا بأن القوة هي الأساس وليست الأخلاق.
ثانيا: أنها حرب دينية على مستوى الكيان الصهيوني المحتل، وعلى مستوى الادارة الأمريكية، فوزير الحرب الأمريكي بيتر هيغست مسيحي متصهين، حيث سلطت صحيفة نيويورك تايمز الضوء على لجوء الوزير إلى توظيف المصطلحات الدينية والمبررات المسيحية للحرب، حتى دعا إلى الصلاة من أجل النصر العسكري داخل مقر البنتاغون، وربطت الصحيفة بين كلام الوزير وكلام الرئيس ترامب حين تحدث عن مهمة إلهية لإنقاذ بلاده.
ثالثًا: مع أنها حرب طابعها ديني صليبي متصهين، إلا أنها تهدف من خلالها إلى الاستعلاء والاحتلال والهيمنة على العالم، فالرئيس الأمريكي يريد السيطرة على العالم وعلى منابع البترول والغاز في العالم.
الرئيس يفرض شروطه على الدول التي يتوقع منها الوقوف في وجهه مثل الصين بعد إشغال روسيا بالحرب الدائرة في أوكرانيا، حيث احتل قلب فنزويلا، وقبض على رئيسها وزوجته، وعيّن من يسمع له قائمًا بأعمال الرئيس، كما أنه يتصرف في بترول فنزويلا حسب إرادته.
وسياسته في حب السيطرة على العالم ليست خاصة بالعالم الإسلامي ولا بالطاقة فحسب، بل تشمل أكثر من ذلك، فمنذ بداية ولايته طمح أن تكون كندا ولاية أمريكية، ويطالب بجزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك، ويطالب الآن بكوبا.
ونتنياهو يتفق معه ويشجعه؛ حيث صرح بأنه يريد أن يكون القوة الكبرى الوحيدة في الشرق الأوسط بجانب أمريكا، ويصبح الشرق الأوسط تحت هيمنته حسب أحلامه وأوهامه، فالحرب دينية توسعية غير أخلاقية.
رابعًا: أنها حرب أمريكية صينية، تريد أمريكا حرمانها من الطاقة حتى تعجز عن منافسة أمريكا، حيث قامت بحرمان الصين من بترول فنزويلا قبل عدة أشهر، وكانت تزود الصين بما يقرب من مليون برميل يوميًا، وتأتي معظم حاجة الصين من الطاقة من إيران، والسعودية عبر مضيق هرمز، فتخيل ترامب أنه بمنتهى السهولة يسيطر على بترول إيران التي تزود الصين بحوالي مليون ونصف، فتحرم الصين منها وتسيطر على مضيق هرمز، وعندئذ يصبح الخناق محكمًا على الصين فيمنعه أو يعرقل تقدمه الاقتصادي والصناعي والتقني، كما أن ذلك لو تم لاستطاع ترامب أن يفرض شروطه على الصين لأن مصادر الطاقة للصين أصبحت بيده، وذلك لأن معظم المحللين والاقتصاديين يرون أن الصين لو تُركت لأصبحت من عام 2030 أكبر اقتصاد في العالم، ولذلك يريد ترامب إيقاف هذه العجلة أو عرقلتها حتى لا تسبق أمريكا أو تنافسها.
ومن المعلوم أن الصين لها برامج واضحة في السيطرة على اقتصاد العالم من خلال تهيئة الأجواء لذلك، حيث بدأ بتدشين شبكة كبرى لربط الصين ومنتجاتها بالعالم، وبخاصة أوروبا، من خلال طريق الحرير الحديثة والسكك الحديد والموانئ وخطوط الأنابيب وغير ذلك، حتى أصبحت بعض الدول الأوروبية الكبرى تتجه تجاريًا نحو الصين، وحتى كندا التي جعلت أمريكا تبتعد عنها وتقترب من الصين تجاريًا بسبب السياسة الاستعمارية لترامب ونيته ضم كندا.
بداية النهاية للإمبراطورية الأمريكية:
إن اليمين المحيطة بترامب قد توافقت مع مزاجه الاستعراضي في فرض السلام بالقوة وفرض أمريكا بالقوة، فخسرت أمريكا معظم أصدقائها الذين كانت تعتمد عليهم مثل أوروبا التي كانت دائمًا الأجنحة التي تطير أمريكا بها لتحقيق مآربها خلال الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، وحتى في حروبها الدولية مثل حربها في فيتنام، والعراق.
أما اليوم فبسبب سياسات ترامب الضريبية وتصريحاته بأطماعه التوسعية حتى في أوروبا وكندا، وسياسته في أوكرانيا، أضعف العلاقة بينه وبين معظم أوروبا وأمريكا، وظهر ذلك في الحرب الأمريكية ضد إيران.
خامسا: أن الكيان الصهيوني يقوده المتطرفون الصهاينة، ويشارك في الحكم الأحزاب اليمينية الصهيونية المتطرفة، ومع ذلك ليس هناك اعتراض من الدول الكبرى وأوروبا التي كانت تقف ضد أي حزب إسلامي أو جماعة إسلامية ولو كانت معتدلة، بل يحاربونها بكل إمكانياتهم كما رأينا في الربيع العربي، ومع أنها اختارتهم شعوبهم بكامل حريتهم وإرادتهم.
وفي نظري أن سبب محاربتهم للجماعات الإسلامية، وبخاصة المعتدلة، يعود إلى معرفتهم أن الجيش العقائدي لا يُهزم أو من الصعب جدًا أن تناله الهزيمة كما رأينا في غزة العزة وفي أفغانستان، والأخطر من ذلك يعود إلى معاداة الحكومات الغربية، ليس للإسلاميين فقط، وإنما جعل بعض الحكومات العربية أعداء لهؤلاء الإسلاميين، وهذا في غاية الخطورة لأنه يؤدي إلى التفرق داخل الوطن الواحد، والتمزق داخل الأمة، وإشغال بعضهم ببعض، وحتى التاريخ يشهد بأن الإسلاميين كان لهم دور كبير في توحيد اليمن، وفي إخراج الاتحاد السوفياتي من أفغانستان، وغير ذلك، فالعالم المتقدم يقبل ويستوعب جميع مكونات الشعب والأمة الواحدة إلا في بعض عالمنا العربي الذي يحدث فيه هذا الصراع الخطير.
سادسا: إنها حرب لإحداث الفوضى العارمة في جميع دول الشرق الأوسط بما فيها الخليج، والقضاء على جميع القوى الاقتصادية والعسكرية ونحوهما؛ ليحقق نتن ياهو مشروعه التوسعي.
ولكن ذلك لن يتحقق بإذن الله تعالى، بل ان المشروع الصهيوني في تنازل؛ حيث بدأ حبل الناس الذي يعتمد عليه يتقطع، كما نرى سواد وجوههم على مستوى العالم بسبب جرائمهم التي لم يشهد التاريخ مثلها؛ قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: 7]. والله المستعان.