نشرت مجلة "نيويوركر" الأمريكية تقريراً تتناول فيه أن أول ضحايا الحرب التي يقودها دونالد ترامب ضد إيران كانت "الحقيقة"، حيث تتهم الرئيس الأمريكي بتقديم مبررات متناقضة ومضللة لبدء الحرب، مثل ادعاءات بوجود تهديدات وشيكة أو اقتراب إيران من امتلاك سلاح نووي.
وأوضحت المجلة، في تقريرها أنه في الوقت الذي قد يقع فيه اللوم على المراسلين الذين يروجون للدعاية أو المؤرخين الذين ينسجون الأساطير، فإن المذنب الأكبر الآن، بعد ثلاثة أسابيع من بدء الحرب التي اختارها دونالد ترامب، هو الرئيس الأمريكي.
وأشارت المجلة إلى أن البيت الأبيض نشر، في 28 فبراير، فيديو مسجل مسبقاً لترامب في مارالاجو، معلنًا أنه أمر القاذفات الأمريكية بضرب أهداف في إيران.
وقد برر ترامب ذلك بأنه ضربة استباقية "للدفاع عن الشعب الأمريكي من تهديدات إيرانية وشيكة"، رغم أنه سبق وأعلن في يونيو الماضي "تدمير" البرنامج النووي الإيراني، كما صرح وزير الخارجية العماني (الوسيط بين البلدين) بقرب التوصل لاتفاق سلام. ثم نصح ترامب الإيرانيين بالاحتماء من القصف، محرضاً إياهم في الوقت ذاته على الإطاحة بحكومتهم، بينما اعترف للأمريكيين باحتمالية وقوع خسائر بشرية كأمر معتاد في الحروب.
وأضافت المجلة أن ترامب، المهووس بإظهار القوة والعظمة، قدم أداءً يفتقر إلى الجدية، إذ أخفت قبعته ملامحه، وتحدث بتسرع وتشتت. وبدلاً من العودة مسرعاً إلى البيت الأبيض، فضل البقاء في ناديه لحضور عشاء لجمع التبرعات. وتُركت مهمة توجيه الرأي العام حول احتمالية اندلاع حرب أمريكية جديدة في الشرق الأوسط لمدير اتصالاته، ستيفن تشيونغ، الذي كتب على منصة "إكس": "لا داعي للذعر! ثقوا في ترامب!".
وأشاد ترامب، ورئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو لاحقا، بـ "الدقة" التي تم بها القضاء على القيادة الإيرانية وتدمير المنشآت العسكرية والأمنية. ولكن في اليوم الأول للقصف الذي أسفر فيه عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي ومعظم القيادات الأمنية، فإنه أودى أيضاً بحياة نحو 175 مدنياً بريئاً في مدينة ميناب الجنوبية، أغلبهم من الأطفال. وعند سؤاله عن قصف مدرسة للفتيات بصاروخ يُرجح أنه أمريكي، ألقى ترامب باللوم على إيران، مدعياً أن "ذخائرهم تفتقر إلى الدقة".
والآن مع اندلاع الحرب التي عصفت بالمنطقة بالاقتصاد العالمي، بدأ ترامب ومستشاروه المتملقون في الارتجال، مطلقين تبريرات متضاربة وتوقعات متباينة حول أمد الصراع. فقد ادعوا كذباً أن الإيرانيين كانوا قاب قوسين أو أدنى من تطوير صواريخ تصل إلى الولايات المتحدة أو امتلاك سلاح نووي في غضون أسابيع.
وأضافت المجلة: "أن لغة التناقض طالت حتى أسباب اندلاع الحرب، فبينما زعم ماركو روبيو أن إسرائيل هي من دفعت أمريكا للتحرك، ادعى ترامب أنه الرئيس نفسه حول الهدف من الحرب، فتارةً هو من دفع إسرائيل لذلك. كما تذبذب موقفه حيث يؤكد أنه يسعى لتغيير النظام، وتارةً أخرى ينفي ذلك تماماً. وعندما واجهوا هذه الأكاذيب والتناقضات الصارخة، سار رجال الرئيس جميعاً على نهج قائدهم، ملقين باللوم على الإعلام.
وبات ترامب يهاجم الصحفيين (وخاصة الصحفيات) بوتيرة متزايدة، ويقاضي المؤسسات الإعلامية لمجرد التسلية، في ظل غياب الرغبة في المواجهة، حتى أن مالك صحيفة "واشنطن بوست" ألحق ضرراً لا يعوض بصحيفته فقط ليبقى في دائرة رضا ترامب.
وبرغم ازدرائه لحرية الصحافة، إلا أنه مدمن على اهتمامها، حيث يملك معظم الصحفيين رقم هاتفه الشخصي، ويقال إن أفضل وقت للاتصال به هو وقت متأخر من الليل بينما يشاهد نفسه على التلفاز.
وقالت المجلة إن ترامب يستمتع بإلقاء تصريحات عشوائية يراقب أثرها في العواصم العالمية والأسواق، فهو مستعد لقول أي شيء، كأن يدعي أن الحرب ستنتهي قريباً ثم يتراجع في اللحظة التالية.
وعند سؤاله عن إرسال قوات برية إلى إيران، أجاب قائلاً إنه لا يشعر بالارتباك تجاه هذا القرار، قبل أن يغير الموضوع فجأة ليتحدث عن ذوقه في الديكور والستائر الذهبية، وكأنه يسأل الجمهور بسخرية: "ألا تستمتعون بهذا العرض؟".
وأشارت المجلة إلى أن مستشاري الرئيس يدركون أدوارهم جيداً، فقد قيد وزير الدفاع بيت هيجسيث التغطية الصحفية في البنتاغون مستبدلاً الصحفيين بـ "المؤثرين" والمروجين، وهاجم شبكة "سي إن إن" بوصفها "الأخبار المزيفة"، معرباً عن تطلعه لاستحواذ عائلة إليسون الموالية لترامب عليها، وهو ما تم بالفعل.
وفي السياق ذاته، هدد بريندان كار، مدير لجنة الاتصالات الفيدرالية، بسحب تراخيص القنوات التي يرى أنها تنشر "أكاذيب"، وهو ما قابله ترامب بحماس، حيث اتهم في تغريدة على منصة "تروث سوشيال" المؤسسات الإعلامية بـ "عدم الوطنية"، ملمحاً لملاحقة الصحفيين قضائياً بتهمة "الخيانة".
واعتبرت المجلة أن الخطر الحقيقي لا يكمن في قانونية هذه التهديدات، بل في "الرقابة الذاتية" التي قد يفرضها ملاك المؤسسات الإعلامية خوفاً من الضغوط الاقتصادية أو خوفاً من تجاوز ما يُعتبر "وطنياً".
وكما يرى المؤرخ جاري ويلز، فإن الديمقراطيات الليبرالية تخضع للدعاية أسرع من الدول الشمولية، لأن الرقابة الذاتية دائماً ما تكون أكثر فاعلية من الرقابة البيروقراطية الرسمية.
واختتمت المجلة تقريرها بالإشارة إلى أن المفارقة الأكثر قسوة هي أن الرئيس الذي يخاطب الشعب الإيراني بلغة التحرير ويحثهم على التخلص من نظام قمعهم لعقود، هو نفسه الذي يهدد الصحفيين الأمريكيين بتهم الخيانة ويحاول إخضاع القنوات التلفزيونية؛ فبعد تمزيق الاتفاق النووي في ولايته الأولى، وخوض حرب بلا هدف واضح في ولايته الثانية، يوجه ترامب نيرانه الآن نحو "الحقيقة"، وهي الشيء الوحيد الذي لا يطيق بقاءه، معرضاً بذلك أقدم وعود الديمقراطية للخطر: حق الشعب في محاسبة حكومته على ما تفعله باسمه.