بقلم: م. فتحي شهاب الدين
تعتبر مصر حضاريًّا وجغرافيًّا وتاريخيًّا واستراتايجيًّا جزء لا ينفصل من العالم الإسلامي. والكنيسة القبطية مؤسسة مصرية مائة بالمائة، فهي التي حمت استقلالية مصر ضد روما وبيزنطة، وهي التي رأت في الفتح العربي- الإسلامي تحريرًا وتأكيدًا لاستقلال مصر؛ ولذلك لم تقاومه بل تعاونت معه تعاونًا كاملاً.
والكنيسة المصرية هي التي وقفت مع المسلمين ضد التبشير الأجنبي الذي أراد أن يسلب المسلم والقبطي استقلاليتهما الوطنية بإلحاقهما بكنيسة الغرب الاستعمارية الأهداف والوسائل، فالكنيسة القبطية جزء لا ينفصل من التكوين الحضاري والبشري لمصر.
لقد قادت مصر أيام صلاح الدين الأيوبي الدفاع عن العالم الإسلامي ضد المسيحية الغربية التي جاءت تستعمر بلادنا باسم الحروب الصليبية، وفي تلك الفترة كان أقباط مصر ينالون "دير السلطان" في القدس كلما انتصرت قوات السلطان الإسلامية وتعزز نفوذهم على الحبشة حتى يتوجوا ويخلعوا أباطرة الأحباش، وتمتد كنيستهم لتشمل برعايتها الأقباط في السودان وغيرها.. فلما انهار مركز مصر الإسلامية امتدت الأطماع الغربية إلى الكنيسة المصرية ذاتها وحاولت وما تزال أن تسلبها رعاياها، وانفصلت كنيسة الحبشة وضاع دير السلطان.
وعصر الشهداء في تاريخ الكنيسة المصرية يسجل الذين قتلتهم الكنيسة الغربية، وبابا الكنيسة المصرية كان هاربًا من السلطة البيزنطية المسيحية وأعاده المسلمون إلى كرسي البطريركية وأمنوه على دينه وكنيسته في ظل الفتح الإسلامي، وليس في تاريخها عصر شهداء ضد المسلمين أو السلطة الإسلامية طوال تلك القرون التي مررنا بها.
إن كل كنائس العالم العربي لم تواجه الإسلام كما يهمس اليوم في آذانها المفسدون والعلمانيون ولا احتمت بالصحراء أو الجبل خوفًا من المسلمين، بالعكس لقد ظهرت كانشقاق عن كنيسة الغرب وكعصيان في وجه السلطة الأجنبية وسلطة المسيحية الغربية وليس الإسلام، وما من دارس للتاريخ ينكر أنه لولا الفتح الإسلامي ولولا سيوف المسلمين لاختفت هذه الكنائس في ظل الهيمنة الرومانية أو البيزنطية ثم الأوروبية بعد ذلك ولسيطرت كنيسة واحدة واختفت تمامًا الأقليات والكنائس المنشقة كما حدث في أوروبا قبل عصر النهضة.
وتجربة التبشير في العالم العربي تثبت أن الكنائس العربية كانت خسائرها أفدح من المسلمين، وإذا كان من السهل على الشيخ المسلم أن يعبئ أتباعه ضد المبشر؛ لأنه كافر ينسب التعدد إلى الله فيغلق بذلك باب النقاش، فإن القس يجد صعوبةً في إقناع المسيحي الأرثوزوكسي أو الماروني أو القبطي بأن يدخل في دين آخر أو يكفر بالمسيحية إذا اعتنق الكاثوليكية أو البروتستانتية وغيرها من كنائس الغرب.
وهكذا كان الخطر الذي يهدد بقاء الكنائس العربية هو النفوذ الأجنبي في شكل الإرساليات والنشاط الكنسي العالمي وليس المسلمين الذين حفظوا هذا الوجود أربعة عشر قرنًا مرت فيها قرون ما كان فيها من عاصمٍ إلا تعاليم دينهم وروح حضارتهم.
من هنا يحق لنا القول إن القبطي المخلص للكنيسة هو مع مصر الإسلامية، والمصري مهما يكن معتقده الديني مع مصر الإسلامية التعبير والحضارة والإستراتيجية والتاريخ والثقافة؛ لأنه لا توجد ثقافة فرعونية ولا قبطية ذات وزن حضاري مؤثر اليوم، فليس أمامنا إلا الثقافة العربية- الإسلامية نتمسك بها جميعًا، ونؤكد من خلالها استقلالنا وذاتيتنا وإما نسقط في ثقافة الآخرين.
والإخوان المسلمون يفهمون ذلك جيدًا ولا يقبلون اضطهاد الأقباط وهم مع استقلالية واستمرارية الكنيسة المصرية ومشاعرهم تجاه إخوانهم الأقباط أصدق حرارة وأعمق حُبًّا من دموع التماسيح التي يذرفها مجلس الكنائس العالمي المخطط والراغب في ابتلاع الكنيسة المصرية، ومن هؤلاء الذين باعوا مصر وكنيستها من أجل ورقة الإقامة الخضراء في الولايات المتحدة وكندا، والثمن الذي يدفعونه هو حملة التشهير عن الاضطهاد الواقع على الأقباط في مصر.
يبقى السؤال المطروح على الساحة الآن وهو ما هي الضمانات التي تكفل في المستقبل عدم انقلاب الإخوان على المبادئ السامية التي أعلنوها في برنامجهم والخاصة بالإخوة الأقباط إن هم شاركوا في السلطة من خلال تداول سلمي ديمقراطي؟ والإجابة تكمن في أن الضمان موجود في عقيدتهم المستمدة من كتابهم وسنة نبيهم والمتمثلة في النقاط التالية:
- إن الإسلام لا يعادي الناس لمجرد اختلاف العقائد طالما لم يبدأوا المسلمين بالاعتداء لقوله تعالى ﴿لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)﴾ (الممتحنة).
- تأكيد الإسلام على وحدة الأصل الإنساني وكرامة الإنسان دون تمييز بسبب الجنس أو الدين أو اللون لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الأسراء: من الآية70) فالكرامة للجميع دون تمييز.
- تأكيد القرآن على احترام الأنبياء والأديان السابقة على الإسلام فلا توجد كلمة واحدة في التراث الإسلامي تسيء إلى المسيح عليه السلام وأمه الصديقة مريم عليهما السلام.
- أن الإسلام لا يُكره الإنسان على تبديل عقيدته واعتناق الإسلام لقوله تعالى ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ﴾ (البقرة: 256).
- ضمان العدالة لقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: 58).
- اختصاص أهل الكتاب بعدل خاص لقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم- "من ظلم معاهدًا أو كلفه فوق طاقته أو انتقص أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس فأنا خصيمه يوم القيامة".
- اختصاص أقباط مصر بالوصية النبوية فقد أوصى النبي- صلى الله عليه وسلم- الجنود الفاتحين بأقباط مصر خيرًا في وصيةٍ خالدةٍ قال فيها: "إذا فُتحت مصر فاستوصوا بالقبط خيرًا فإن لهم دمًا ورحمًا" وفي رواية "ذمة ورحمًا"، وفي حديث أم سلمة "الله الله في قبط مصر فإنكم ستظهرون عليهم ويكونون لكم عدةً وأعوانًا في سبيل الله".
- موقف عمَر بن الخطاب- رضي الله عنه - من ابن عَمْرو بن العاص الذي ضرب قبطيًّا لمجرد أنه فاز عليه في سباق فقد أمر القبطي بأن يضرب ابن عَمْرو بن العاص ولم يكتفِ بذلك بل أمره بأن يضرب عَمْرو نفسه قائلاً "اجعلها على صلعةِ عَمْرو فوالله ما ضربك إلا بسلطانِ أبيه".. فهل بعد كل ذلك نتحدث عن اضطهاد الأقباط في مصر ونوايا الإخوان تجاههم إذا شاركوا في السلطة؟ أعتقد أن الأقباط المخلصين لكنيستهم يعون ذلك جيدًا، أما المرجفون من العلمانيين الكارهين للإسلام فلهم عذرهم؛ حيث يؤدون الدور المرسوم لهم للحيلولة دون التقاء وتفاهم المسلمين بإخوانهم الأقباط.
----------------