الصورة غير متاحة

 سيد نزيلي

نشر بعض الباحثين دراسةً عن "الدين في واقع دساتير الغرب"، والتي عرضتها (الأهرام) في 23/2/2007م، وأوضح فيها بصورة موضوعية أن كثيرًا من دول أوروبا مثل: اليونان والدنمارك وأسبانيا والسويد وإنجلترا.. إلخ، وهي دول غاية في التقدم والتفوق العلمي والتقني، وقبلة لدعاة التغريب والعلمنة عندنا في بلاد المسلمين.. هذه الدول لا تكتفي بالنص على الدين في صلب الدستور، بل تذهب للتصريح بالمذهب الديني، بل وتذهب أكثر من ذلك إلى تحديد مذهب مَن تسند إليه السلطة في هذه البلاد ملكًا أو رئيسًا، كما تقصر عضوية المجلس النيابي على اتباع مذهبها الرسمي.

 

هذا هو الحال في دول أوروبا التي يزعم المخدوعون من كُتَّابنا ومُثقفينا أنها دولٌ قد أَبعدت تمامًا الدينَ عن مجال الحياة، وأنها قد شنقت آخر ملك بأمعاء آخر قسِّيس، وأنها قد حقَّقت التقدم العلمي والتفوق الحضاري الغربي بانسلاخها من سطوة الدين وسيطرة الروح، واتجهت إلى عبادة المادة وتقديس الحياة الدنيا، وأرادوا- وما زالوا يريدون- أن يخضعونا لهذا النموذج الغربي.. نسير خلفه.. نُقلِّده في كل شيء.. في النظرة واللفتة.. في المأكل والمشرب.. في الملهى والمرقص.. في الخُلُق والسلوك.. حتى ولو دخلوا جُحرَ ضبٍّ خربٍ لأدخلونا معهم.. والعياذ بالله.

 

نقول: إن العلمانيين عندنا ما زالت تحكمهم الأفكار البالية عن الدين، وإثارة الرعب والشكوك في نوايا المنادين بأن الإسلام دين ودولة، وضرورة إثبات مرجعيته في الدستور، وطالبوا بإلغاء أو إضعاف المادة الثانية التي تنصُّ على أن الإسلام دين الدولة، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الأساسي للتشريع، ورغم أن الذين روَّجوا لهذا الكلام قلةٌ بين المثقَّفين- كما يذكر الكاتب الإسلامي المرموق الأستاذ فهمي هويدي- "إلا أن أحدًا لا ينكر أن صوتَهم كان أعلى من غيرهم، وأن مواقعهم في أجهزة الإعلام الرسمية والقومية سمحت لهم ببثِّ أفكارهم على نطاق واسع، الأمر الذي أسهم في إشاعة البلبلة بين الناس، حتى انقسموا إلى فريقين: أحدهما اشتدَّ خوفُه على الإسلام، وثانيهما تعاظَم خوفُه من الإسلام، وفي الحالتين فإن موضوع الخوف كان الإسلام وليس الإخوان كما يذكر.

 

وقد اقترح بعض الكتاب العلمانيين في جريدة (الأهرام) بتاريخ 5/3/2007م أن تعاد صياغة المادة الثانية من الدستور ليصبح "مبادئ الشريعة الإسلامية والمسيحية والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان المصادر الرئيسية للتشريع"، وهذا- بلا شك- فيه خلطٌ شديدٌ وفهمٌ معوجٌّ، ولم نلاحظ مثل ذلك في كثيرٍ من دساتير بلاد الغرب التي أشرنا إليها؛ إذ تقصر النص على الدستور على دينِ أو مذهبِ الأغلبية فقط دون الأقلية، بل وقصر رئاسة الدولة أو دخول البرلمان على هذه الأغلبية.

 

وهذا الخلط يذكِّرنا بما فعله المغول والتتار عندما اجتاحوا بلاد المسلمين حتى وصلوا إلى الشام ودخلوا "بغداد" عاصمة الدولة العباسية، ووجدوا أن مرجعية أحكام المسلمين هي القرآن الكريم "فأرادوا أن يخترعوا مرجعيةً جديدةً- كما يذكر الإمام ابن تيمية رحمه الله- تجمَع بين القرآن الكريم وبين القِيَم والقواعد القانونية عندهم في بلادهم، وسموا هذا الخلط العجيب "الياسق"، إلا أن المسلمين في ذلك الوقت قد رفضوا ذلك وقاطعوه وعادوه ولم يرضوا بغير القرآن بديلاً أو حكمًا.

 

فالقرآن الكريم هو الذي يُشكِّل وجدان المؤمنين به، وهو ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ(42)﴾ (فصلت)، وهو الذي تعهَّد الله سبحانه بحفظه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(9)﴾ (الحجر)، وهو في وجدان المسلمين "مَن قال به صدق، ومَن حكم به عدل، ومَن اتبعه هُدِي إلى صراطٍ مستقيم"، و