بقلم: د. حامد أنور

الحرب التي تشنُّها حاليًا قوى ظلاميةٌ على المادة الثانية من الدستور وعلى شريعة الإسلام جزءٌ من الحرب الصليبية اليهودية على الإسلام وقيمه وتعاليمه، وتستهدف استئصال الإسلام وقيمه، وهي بحق حربٌ بين الظلمات والنور، بين الباطل والحق، بين أهل الشر وأهل الخير، بين القرية المتكبِّرة الولايات المتحدة الأمريكية والمستضعفين في الأرض، وحيث إننا نعيش في عصر الفتن واختلاط الحابل بالنابل، وغياب المعايير، فكان لزامًا علينا أن نعيد تعريف بعض المفاهيم من جديد، كنا نظن أنها في عرف الحقائق والمسلَّمات.

 

أولاً: إن أي نظام حكم هو دين وأي شريعة فهي دين، بغض النظر عن كونها شريعةً من السماء أو شريعة وضعها أهل الأرض، وانظر إلى قول المولى سبحانه عن يوسف عليه السلام: (مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِيْ دِيْنِ الْمَلِكِ) (يوسف: من الآية 76) فجعل شريعة الملك دينًا؛ لأن يوسف عليه السلام أقام في إخوته شريعةَ يعقوب؛ حيث لم تكن التوراة قد أنزلت بعد، وأخذ أخاه منهم ولم يُقِم شريعة ملك مصر.

 

فشريعة حامورابي دين، وكتاب الياسق لجنكيز خان دين، وما وضعه كارل ماركس دين، والرأسمالية دين، فحامورابي كان علمانيًّا، والتتار كانوا علمانيين، فالعلمانية ليست فصل الدين عن الدولة، بل هي حكم البشر للبشر بشريعة أهل الأرض، فالعلمانية دين آلهة الهوى وعبادة الإنسان.. (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) (الفرقان: من الآية 53) وشريعتها الطاغوت.. (يُرِيْدُوْنَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوْتِ) (النساء: من الآية 60)، وأتباعها كالأنعام بل هم أضل، كما وصفهم القرآن الكريم.

 

ثانيًا: البشر غير مؤهَّلين وحدهم لوضع تشريعات كاملة، وغير قادرين وحدهم أيضًا على سَنِّ قوانين تنظم حياتهم وطرق معيشتهم؛ لأنهم قاصرون بسبب قدراتهم المحدودة وعقولهم القاصرة عن الإلمام بكل جوانب الحياة، وانظر إلى تدخُّل الإنسان في البيئة، وما أفسدته يداه من رعيٍ جائرٍ وقطعٍ غير منظَّمٍ للأشجار، وبواعث الصناعات وتأثيرها المدمِّر على البيئة من حولنا، وما يدَّعيه العلماء من ظاهرة الاحتباس الحراري، وانقراض الحيوانات الذي تم على يد الإنسان الظلوم الجهول، خاصةً أن قدرات الإنسان السمعية والبصرية محدودة بين قيم معينة لا تستطيع أن تتجاوزها وهي التي تمده بالمعلومات عن الواقع من حوله.

 

لذلك فالمعلومات المتاحة له منقوصةٌ وغير كاملة، ومن يعتقد أن الحرية والمواطنة ستتحقق في ظل العلمانية فهو واهم، والديانة العلمانية ترفض أي شريعة سماوية أن تكون موجودةً تحت رايتها، فانظر ماذا فعلت الديانة العلمانية الماركسية بأصحاب الشرائع السماوية، وماذا تفعل الديانة العلمانية الفرنسية مع الحجاب، بل إن العلمانية ترفض الشرائع الدينية الأخرى وإن كانت من وضع البشر، وانظر إلى العلمانية الأمريكية وما فعلته مع الديانة الماركسية إبَّان الفترة المكارثية؛ حيث حاربت وحاكمت بعنف كلَّ مَن يدين بالماركسية، بل إن الحروب العلمانية أودت بحياة ملايين البشر، بما يتجاوز ما تم في كل حروب البشر مجتمعةً عبر التاريخ، فالحرب العالمية الثانية أودت بحياة ما يزيد على أربعين مليونًا من البشر ضحايا العلمانية.

 

ثالثًا: في الشريعة الإسلامية لا بد أن نفرِّق بين الحاكم ومنهج الحكم، فالحاكم ما هو إلا أداةٌ لتطبيق الشريعة لإقامة منهج الحكم؛ فإن حادَ عنها فلا طاعةَ له، فطاعة الحاكم في الشريعة ليست مطلقةً بل مقيدة بانقياده وانصياعه لتنفيذ تلك الشريعة، فلا طاعة إلا في معروف، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وليس كما يروّج البعض ويدَّعي من أنه لا يمكن لأحد أن يراجع الحاكم أو يعارضه أو أن الحاكم يستبدُّ برأيه وينفرد به؛ لأن الأمر شورى بينهم، فإن حادَ الحاكم وانحرَف عن منهج الشريعة فلا طاعةَ له، ولقد بيَّنت الآية بعد أن أمرنا المولى سبحانه بطاعة الله والرسول وأولي الأمر.. قال (فََإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِيْ شَيْءٍ) (النساء: من الآية 59) ليدل على إمكانية وجواز الخلاف مع الحاكم والتنازع معه، فيكون المردّ حينئذ لله والرسول.

 

والتاريخ الإسلامي يحتشد بأناس راجعوا الحكام في قراراتهم وعارضوها، ليس فقط في عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي.. بل في عهد رسول الله نفسه، الذي أُنزلت عليه الشريعة وأقام أحكامها وطبَّق تعاليمها، إن هذه الجزئية كانت واضحةً تمامًا.

 

رابعًا: إن الحرب على شريعة الإسلام بدأت من أول يوم وطئت فيه قدم الرسول يثرب؛ حيث حاول اليهود أن يمنعوا الشريعة التي أقرَّها الله على لسان نبيه، وأن يمنعوا نور الأحكام التي تخرج من فمه، فصفة الشريعة في التوراة (النُّورَ الذِيْ أُنْزِلَ مَعَهُ)، فحاولوا أن يقتلوه- صلى الله عليه وسلم- مرتين على يد بني النضير وفي خيبر، ولكنَّ الله نجاه.. حاولوا أن يسحروه ولكنَّ الله شفاه، وألَّبوا العرب عليه، ولكنَّ الله نصرَه، وظل نور الشريعة يخرج من فمه- صلى الله عليه وسلم- حتى أنزل الله قوله (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا) (المائدة: من الآية 3) وكما قال اليهودي لعمر: لو أنزلت تلك الآية علينا لاتخذنا هذا اليوم عيدًا، فقال رضي الله عنه: لقد أنزلت في يوم عرفة وفي يوم جمعة أي في يوم عيدين، وبالطبع ليست هي آخر ما نزل من القرآن، ولكنها أشارت إلى تمام التشريعات والأحكام التي أنزلت واكتمالها.

 

ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحرب على نور الله، ومحاولة البعض أن يطفئوا هذا النور، ولقد أشارت التوراة إلى هذا النور وتلك الشريعة الجديدة، فقد جاء في سفر أشعياء ما أوصى به الله بني إسرائيل بأن يستمعوا؛ لأن هناك شريعة ستخرج ونورًا سيُرسَل لكل الشعوب لكل العالمين (أنصتوا إليَّ يا شعبي ويا أمتي.. اصغوا إليَّ؛ لأن شريعةً من عندي تخرج، وحقًّا أثبته، نورًا للشعوب) أشعياء (51-4) ويقول نفس السفر عن نبي الإسلام (أنا الرب إلهك مقلب البحر، فتعج لججه، رب الجنود اسمه.. جعلت أقوالي في فمك.. وبظل يدي سترتك) أشعياء (51-15).. فسبحان القوي الجبار، الذي عصم نبيه من الناس، وجعل أقواله في فمه.

 

بل إن سفر أشعياء يخبرنا أن أقوال تلك الشريعة ستظل تُتلى في فم أمة هذا النبي جيلاً بعد جيل إلى قيام الساعة، لن يستطيع أؤلئك الحمقى أن ينالوا منها، فيقول عن هذا النبي الذي سينزل الروح القدس بالشريعة على قلبه ولسانه (روحي الذي وضعته عليك وكلامي الذي وضعته في فمك لا يزول من فمك.. ولا من فم نسلك.. ولا من فم نسل نسلك.. من الآن وإلى الأبد هكذا قال الرب) أشعياء (59-21) وحقًّا صدق الله (وَلَقدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ للذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) (القمر: 17)، وقال سبحانه: (إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: 9).

-----------

* d.hamedanwar@yahoo.com