وقف الحجيج بعرفة.. وهو مشهد عظيم وموقف رائع.. لا فرق فيه بين غني وفقير.. أو وزير وخفير.. أو أبيض وأسود.. الكل يناجي ربه ويتذلل إليه.. الكل يرجو رحمة ربه ويخشى عذابه.. الكل يتمنى أن يغفر الله له ما تأخَّر من ذنوبه.. وأن يعود إلى موطنه وبلده كيومِ ولدته أمه.. الكل يريد أن يدخل ضمن المغفور لهم والمعفو عنهم "أشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت لهم..".
ويوم عرفة يجتمع فيه المسلمون من كل العالم.. من كل فجَّ عميق.. من أقصى الدنيا إلى أقصاها.. جاءوا وقد تخلصوا في مشهد مهيب من كل مظاهر الزينة أو المنصب أو الجاه والسلطان.. وقد وقف كل واحد يطلب رضوان الله.. ويلوذ به ويمسك بقارب النجاة.
هذا المشهد العظيم والموقف الرائع قلما يتكرر في وقتٍ واحد وفي مكان واحد.. إلا في عرفة؛ حيث يتجمع أكثر من أربعة ملايين مسلم في هذه البقعة من أرض الله.. في عرفة.. يتجمعون في ضراعة وخشوع وإخبات.. في تذلل لله عز وجل.
إن هذا التجمع يُذكرنا بالتالي:
- أن عزة المسلمين وشرفهم لا تتحقق إلا بوحدتهم واجتماعهم على كلمةٍ سواء.. وبعودتهم إلى ربهم.. وتحررهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
- أن ما نزل بالمسلمين من ضعفٍ وذلةٍ إلا بذنوبهم.. وتفريطهم في إقامة منهج ربهم وتحاكمهم إلى غير شرع الله.
- أن الركون إلى الدنيا وغلبة الشهوات والاغتراف من الملذات بدون حساب وترك الأهواء تتحكم في حياة المسلمين كما شاء لهم الأبالسة والشياطين- الإنس قبل الجن- كل ذلك وما إليه أبعد المسلمين عن الجادة والاستقامة.. وانحرف بهم عن مرضاة الله.. وسلك يهم سبيل عباد الدنيا والشهوات "يا دنيا من عبدك فاستعبديه..".
- والأدهى من ذلك والأمر.. ركون المسلمين في أغلب بلدانهم إلى الظالم.. ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ..﴾ (هود)، والظالم هنا.. من ولي أمر المسلمين وحكمهم على غير منهج الله وأيضًا من أعداء الإسلام في بلاد الغرب جميعًا؛ حيث أذاقوا المسلمين ألوانًا من القهر ومزقوا بلادهم.. ودمروا وحدتهم وتعدوا على شريعتهم.. فأبعدوها عن تنظيمِ حياتهم.. وترجموا قوانينهم البشرية لتحل محل شريعة ربهم... وغيروا مرجعية تعليمهم ومناهج دراساتهم.. فأصبح الغرب قبلة لهم، وساروا خلفهم في العادات والأفكار والسلوك والأذواق واللباس.. وجميع طرائق الحياة.
- والخلاص من هذا التشرذم أو هذه الغثائية لا يتأتى إلا بوحدةِ المسلمين.. وباستنهاض همتهم للعودة إلى ربهم وبالإصلاح الشامل في كل مظاهر حياتهم وفق منهج الإسلام.. وبالعودة الحميدة إلى الله عز وجل.
فهل يذكرنا تجمع ملايين المسلمين في عرفة بهذه المعاني.. معاني التطهر والسمو الروحي.. والتخفف من ثقل الدنيا وأوزارها.. معاني العزم والإصرار لنكون عبادًا لله وحده نعتز بالانتساب إليه والعبودية له سبحانه، فهو سبحانه قد أعزَّنا بالإسلام ومهما طلبنا العزة من غير الإسلام أذلنا الله.
إن واقع الأمة الآن يدعو إلى الحزن والأسى.. فأغلب بلادنا واقعة في قبضة عدو لا يرحم.. أمريكي.. غربي.. يستنزف الثروات، ويخرب الديار ويزرع الفتنة ويُفرق الكلمة.. ويعطل مسيرة الأمة نحو الإصلاح، بل إنه يعود بالمسلمين إلى نقطة الصفر.
انظروا إلى الغزو الهمجي والقتل الوحشي في أفغانستان والعراق وفلسطين ولبنان ودارفور والصومال.. وكثير من البلدان مرشحة لهذا المصير الصعب الأليم.
فهل يتوجه المسلمون في كل مكان بدعوة خالصة.. ونية صادقة.. وعزم أكيد.. وعمل دؤوب.. وجهاد متواصل.. إلى الله عز وجل أن ينتشلهم مما هم فيه.. وهل يُفكِّر المسلمون فيما آل إليه حالهم.. حتى يتفضل الله عليهم فيقوى شوكتهم.. ويسدد خطواتهم.. ويبارك سعيهم نحو إقامة منهج الإسلام.. ويتجمع المسلمون على ذلك فيعزهم الله بعد ذل ويقويهم بعد ضعف.. ولا يكون ذلك إلا بأن يتخذ كل فرد مسلم من نفسه قدوة ويصلح نفسه ويدعو غيره.
وإصلاح النفس يشتمل على إصلاح العقيدة والعبادة وأن يتربَّى على قيم الإسلام وآدابه وفضائله.. فيكون مثقف الفكر قوي البدن نافعًا لغيره منظمًا في شئونه.
ومن فضل الله علينا أن جمعت دعوة الإخوان المسلمين كل عناصر الإصلاح.. وقدَّم الأستاذ البنا رحمه الله برؤيته الثاقبة ونظرته الصائبة منهجًا للدعوة وطريقًا للحركة منبثق من صحيح الإسلام [قرآن وسنة وعمل السلف الصالح].
وذكر رحمه الله مقومات أساسية حيث أوضح في رسالةٍ إلى أي شيء ندعو الناس:
"إن تكوين وتربية الشعوب وتحقيق الآمال ومناصرة المبادئ تحتاج من الأمة التي تحاول هذا أو الفئة التي تدعو إليه على الأقل إلى: قوة نفسية عظيمة تتمثل في عدة أمور: إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف، ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر.. وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمعٌ ولا بخل.. ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له يعصم من الخطأ فيه والانحراف عنه والخديعة بغيره].
وفي هذه الأيام المباركة نعيش معنى التضحية والفداء ونتذكر حادثًا عظيمًا في حياةِ سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام وفي حياة البشر أجمعين.. وجاء ذكر هذا الحادث في سورة الصافات ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105)﴾.
وهذا لا شك ابتلاءٌ عظيم واختبار قاسٍ وأمر شاق لا يقدر عليه إلا أولو العزم من الرجال.
ومضت بذلك سنة الذبح في الأضحى ذكرى لهذا الحادت العظيم الذي يرتفع منارةً لحقيقة الإيمان وجمال الطاعة وعظمة التسليم.
ونحن في هذه الأيام في أشدِّ الحاجة إلى أن نعي جيدًا درس التضحية ونُوقن أن ديننا العظيم أولى أن نُقدَّم إليه كل بذلٍ وتضحية وكل جهدٍ وعمل.. وكل مَن نذر نفسه وعاهد ربه على العمل للإسلام والجهاد في سبيل الله مطلوب منه بذل وتضحية.. وهذه حقيقة يجب أن تكون واضحةً أمام الأخ المسلم.. فعليه أن يُهيئ نفسه ويُعدَّها لتلك التضحية.
ولقد أوضح الإمام الشهيد معنى التضحية بقوله: "بذل النفس والمال والوقت والحياة وكل شيء في سبيل الغاية".
وحياة الرسول- صلى الله عليه وسلم- والصحابة رضوان الله عليهم تُعدُّ نماذج فريدة للتضحية والفداء.. فلقد قدَّموا لنصرة دين الله كل غالٍ وثمين.. بل وضحوا بالحياة ذاتها؛ إعلاءً للإسلام.
وما لنا نذهب بعيدًا وقد قدَّم الأستاذ البنا وأجيال كثيرة من الإخوان المسلمين- على طريق الصحابة- قدموا نماذج نادرة للتضحية والبذل والفداء بالنفس والمال والوقت وكل شيء.
واستطاعوا أن يُحافظوا على رفعِ الراية وأن ينهضوا بالأعباءِ الثقيلة مع أنَّ أكثرهم رقاق الحال.
ما أحوجنا في هذه الأيام وقد تجمَّعت علينا كل قُوى البغي والعدوان من كل جانب.. تجمَّع الأكلة على قصعتها.. ما أحوجنا أن نُشمِّر عن ساعدِ الجد ونبذل قصارى الجهد، وأن نجاهد لنصرةِ الإسلام وإعلاء شأنه بكل الوسائل الممكنة.. بالقول والعمل والحركة... وأن نتذرَّع بالصبر على ما نلقاه من أذًى وافتراء.. وما يحاوله البعض من تشويهٍ متعمدٍ للدعوة وتجريحٍ لأشخاصها ورموزها ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا..﴾ (إبراهيم: من الآية 12).
إنها حقيقة ثابتة أنه لا جهادَ بغير تضحية.. وعلينا أن ننتصر للإسلام ونُضحي من أجله في كل المجالاتِ حتى يكتب الله لنا أجر الصادقين ومنزلة المجاهدين وثواب الثابتين.
وكل عام وأنتم بخير... وتقبَّل الله منَّا ومنكم صالح الأعمال.