يقلم: د. حامد أنور
تشتاق قلوب المسلمين كل عام إلى تلك البقعة المباركة من جزيرة العرب إلى بيت الله المحرم فيحزمون أمتعتهم ويعدون أزوادهم ويتوكلون على ربهم فينطلقون نحو البيت العتيق، بيت الله المحرم، مستجيبين لنداء نبي الله إبراهيم فيخرجون من كل فجٍّ عميقٍ من أزقةِ مصر، من مدن إندونيسيا وأحياء فرنسا، من شوارع بريطانيا وميادين أستراليا، من كل حدبٍ وصوبٍ يأتون مكبرين ملبين أن يا رب العالمين قد استجبنا لدعوتك لزيارةِ بيتك، الملك لك والشكر لك، لا شريك لك.
إنَّ الوعدَ الإلهي لإبراهيم والذي تحدَّثنا عنه سابقًا بأنه سيكون إمام الناس وذريته من بعده إلا الظالمين منهم يجعلنا نتساءل مَن هم الظالمون من تلك الذرية؟.
نتصفح تلك الآيات القرآنية التي أُنزلت علينا تبيانًا لكل شيء نستضيء بها في هذه الظلمات التي تحاصرنا من كل مكان، ذلك النور الذي نزل في جزيرة العرب فأضاء العالم ويحتاجه العالم الآن ليبدد له تلك الظلمات التي جعلتها القوانين الوضعية والدراما التليفزيونية والقنوات الفضائية تجتاح المعمورة كلها.
يقول المولى سبحانه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7)﴾ (الجمعة)، فالذين هادوا بنص الآية القرآنية هم الظالمون من ذريةِ إبراهيم عليه السلام، وهذه الآية تكررت بنفس المعنى في سورة البقرة، تلك السورة التي تضمنت دعاء ابراهيم وإسماعيل وهما يرفعان قواعد البيت الحرام أن يبعث سبحانه نبي الإسلام من تلك البقعة المباركة من ذريتهما ويعلمهم الكتاب والحكمة لـتأتي سورة الجمعة، وهو اليوم المقدس عند المسلمين، لتبيَّن أن الله قد استجاب لهما دعاءهما وأرسل محمدًا بن عبد الله في أولئك الأميين لتكون تلك الأمة التي خرجت هي خير أمة أُخرجت للناس ينشرون التوحيد ويقيمون الشعائر وتكون هي الأحق بالوعد الإلهي لإبراهيم، وهذا فضلُ الله يؤتيه مَن يشاء.
ولينظر الذين هم أحرص الناس على حياةٍ إلى الذي يُقدِّم نفسه سهلةً رخيصةً في سبيل الله.. لينظروا إلى قوافل الاستشهاديين وأعراس الشهداء الذين تزفهم الملائكة في أرض بيت المقدس إلى جنان الخلد- نحسبهم على خيرٍ ولا نُزكي على الله أحدًا- ولينظروا ماذا قالوا لنبيهم حين طلب منهم دخول الأرض المقدسة؟ ماذا كان رد فعلهم؟ أبوا ورفضوا لأن فيها قومًا جبارين.. أوما قد أدار الزمان دورته وغيَّر وجهته وأصبحوا هم الجبارين بطائرات الفانتوم والدبابات والصواريخ والشعب المسلم هناك أعزل إلا من عقيدةِ الإيمان التي جعلته يصمد أمامهم ويبذل نفسه بلا أدنى تأخر في سبيل الله ومن أجل الدفاع عن الأقصى فأي الفريقين أحق بالوعد إن كنتم صادقين؟.
انظروا إلى المقاتلين الأفذاذ في العراق لم يرهبهم الجبروت الأمريكي، ومع ذلك قدموا أعظم ملاحم التاريخ، لقد كانت نبوءات سفر أشعياء هي التي استند إليها جورج بوش في حربه على العراق، والتي أعلن أنه ذهب إلى هناك بوعدٍ إلهي- دعك من كل تلك التقارير التي تحدثت عن أي أسبابٍ أخرى لغزو أمريكا للعراق- ولكن بوش وعصابته لم يقرأوا النبوءةَ جيدًا لم يقرأوا عن أولئك المقاتلين الذين أتوا من كلِّ حدبٍ وصوبٍ ليلقنوا الأمريكيين الدرس الذي لن ينسوه أبدًا.. لقد قرأ بوش الحريص على قراءة الإنجيل والتوراة (وحي من جهة بابل... أشيروا باليد ليدخلوا أبواب العتاة.. أنا أوصيت مقدسي ودعوت أبطالي لأجل غضبي مفتخري عظمتي.. صوت جمهور على الجبال.. صوت ضجيج.. ممالك الأمم مجتمعة.. رب الجنود يعرض جيش الحرب يأتون من أرضٍ بعيدةٍ من أقصى السموات ليخربوا كل الأرض) (أشعياء {13-1})، فما لا يعرفه مقاتلو العراق أنهم فرسان آخر الزمان.
لقد أمر الله إبراهيم أن يذبح ابنه إسماعيل فامتثل الاثنان، ووصفهما القرآن حينئذٍ بأنهما أسلما؛ لأن الإسلام هو الامتثال لأمرِ الله والانقياد لما فرضه، وفي ذلك استجابة أيضًا لدعوتهما ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾، وحين استجاب إسماعيل لأمر ربه هنا تدخَّل الفضل الإلهي وفَدَى المولى سبحانه إسماعيل بذبحٍ عظيمٍ.
فالاستجابة لأمر الله هي النجاة هي الحياة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (الأنفال: من الآية 24)، ولو قدَّر الله أن يُذبح إسماعيل لما خرجت أمة الإسلام إلى العالم، فنحن أمة مفداة، فعلينا أن نشكر ربنا بأن نُقدِّم الأضحية لأنه أخرجنا إلى الوجود لنكبره على ما هدانا، وأنه ذو الفضل العظيم.
ولقد كان الذين تعرَّضوا لهذا الابتلاء ثلاثة إبراهيم وإسماعيل وهاجر، وكلهم نجحوا فيه، وكانوا من الصادقين ورجموا إبليس، وربما كان هذا هو السبب في تقسيم الأضحية إلى ثلاثةِ أجزاء.. إنَّ كل شعيرة من شعائر الحج تُوضِّح أن المسلمين الذين سمَّاهم إبراهيم عليه السلام بهذا الاسم هم أولى الناس بوعده، وأنهم أهل الحق والخير، والآخرين هم أهل الباطل والشر.
لقد تزوَّج محمد رسول الله زوجةً مصريةً تمامًا مثل جده إبراهيم وأنجب منها ولدًا سمَّاه ماذا؟ سمَّاه إبراهيم؛ ليعلن أنه على الدربِ، على النهج، على ملة ابراهيم حنيفًا، فهو وأمته أولى الناس به ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ (آل عمران: من الآية 68).
أراد روبيرت جيتس- وزير الدفاع الأمريكي الجديد أن يُقدِّم هديةً للمسلمين في موسم الحج فأعلن مع غرة ذي الحجة أنَّ القوات الأمريكية سيتم زيادتها في العراق وفي الخليج، وهذا يعني أنها ستبقى هناك فترة طويلة.. إن أفلام آلة الزمن الأمريكية من شدة الجبروت الأمريكي كانت تُروِّج لقدرتها على تغييرِ الأقدار فكان البطل يعود لحادثةٍ في الماضي تمَّت بشكلٍ معينٍ ويقوم هو بتغييرها- وكان هذا من الجبروت والوهم الأمريكي اللذَين بدَّدتهما أحداث العراق.
إن بقاء القوات الأمريكية في الخليج لن يحول بينها وبين ما كتبه الله عليها وعلى الكيان اليهودي في المنطقة، ولن يمنع عنها الخطر، ففرعون حين علم أنَّ هناك غلامًا من بني إسرائيل سيولد وعلى يديه ستكون نهاية ملكه أخذ يُقتِّل في أطفال بني إسرائيل، وحين وجد أنَّ عددهم بدأ يقل قرر أن يقتل عامًا ويعفو عامًا، ولكن مَن تتحدى يا فرعون؟ فإذا بالغلام يُولد في العام الذي تقتل فيه ويُربَّى في بيتكَ ويكبر أمام عينك وتُطعمه بيدك، ويبدو أنَّ أمريكا وجنودها وعملاءها قد خرج لهم ما يحذرون.
السيد جيتس لا أجد ما أزفه إليكَ كما زففت لنا هذا الخبر إلا ما جاء في سفر أشعياء (ولولوا لأن يوم الرب قريب.. خراب من القادر على كل شيء} (أشعياء {13-6}).. فوَلوِلوا كما أمركم ربكم.