الختان تلك القضية التي تخبو حينًا وتشتعل أحيانًا أخرى تهدأ زمنًا ثم ما تلبث أن تأتيها قطعة من الجمر تتمثل في مؤتمر مشبوه أو فتوى مغرضة فتلتهب من جديدٍ ويتصاعد حولها الدخان فتنعدم الرؤية ويكثر حولها اللغط والأقاويل فلا يتبين أحد أين الحقيقة ويزداد التيه ويتعاظم الظلام فيصبح طبقات بعضها فوق بعض، ويخرج صوت الحيرة متسائلاً: أين السبيل؟
أولاً: بدون الخوض في الأحاديث الواردة في ختان الإناث وتفنيدها من حيث الصحةِ والضعفِ فإنه في أقل الأحوال قد سكت عنه الرسول، ولم يحرمه وسكوت الرسول عنه هو إقرارٌ له فهو ليس حرامًا بكلِّ المقاييس؛ لأنه لو كان كذلك لكان النهي عنه واضحًا وصريحًا خاصةً أنَّ رسولَ الله لم يترك شيئًا يُقرِّبنا إلى الله إلا وأمرنا به ولم يترك شيئًا يُبعدنا عن الله إلا ونهانا عنه.
ثانيًا: لا يملك أحد كائنًا من كان أن يُحرِّم شيئًا إلا بنصٍّ قاطعٍ خاصةً إذا كان الأمر أقرب إلى دائرةِ المشروع وتبعده عن دائرةِ المحرماتِ مسافات كبيرة، والرسول نفسه عندما حرَّم على نفسه بعض الأطعمة التي أُحلت له كما جاء في أحد أسباب نزول سورةِ التحريم إرضاءً لزوجاته عاتبه ربه في ذلك أشد العتاب.
وثالثًا: يحاول البعض أن يقلل من قيمةِ الختان ويرفض من منطلقِ أننا قد اختزلنا الدين كله في الختان، وأنَّ هناك أمورًا أخرى وأولويات يجب الاهتمام بها والتركيز عليها.
لقد فات هؤلاء أننا نحن- المسلمين- مأمورون بألا نُؤمن ببعضِ الكتاب ونكفر ببعض، كما أن استصغار الأشياء والتقليل من شأنها ليس من شيم العقلاء، فقرنية العين رغم أنها ملليمترات في ملليمترات إلا أن أي عتامة عليها تؤدي إلى فقدانِ البصر وحصوة صغيرة في الحالبِ في مجرى البول تجعل الإنسان يتلوى من شدةِ المغص.. فما بالك بالختان خاصةً أن له أهمية كبرى سنوضحها فيما بعد.
رابعًا: أنَّ تحريمَ ختان الإناث بالنسبةِ للفتيات هو خطوة على طريقِ تحريم ختان الذكور، ولقد أعلنت السيدة نوال السعداوي ذلك صراحةً، وقالت إنَّ هذه القطعةَ من الجلد قد خلقتها لنا الطبيعة فلماذا نُغيِّرها نحن أليس ذلك يندرج تحت ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (النساء: من الآية 119)، وهذا من الجهل الذي تفيض به نوال السعداوي علينا ولتسمح لي أن أسألها: أليس من دواعي النظافةِ أن يقوم الإنسان بحلقِ الشعر الذي ينبت في بعضِ مناطق الجسم؟ا ولماذا يقوم الطبيب بقطع الحبل السري للجنين وقد خرج لنا به، ألا تعلم السيدة الفاضلة أنَّ البستاني يقوم بتقليمِ الأشجار وقطع بعض أغصانها حتى تنمو الأشجار قوية ويافعة؟
إن ادعاءات الست نوال السعداوي تدل على شدةِ ما مُنت به الطبيعة عليها من حماقةٍ فالرجاء ألا تحاول أن تغيرها.
خامسًا: عندما جاء اليهود الروس إلى الكيان الصهيوني في موجاتِ هجرة متتالية كانت السلطات الصهيونية تقوم بختن أولئك المهاجرين وكانت أعمار بعضهم تجاوزت الثلاثين والأربعين والخمسين، وكان يتم إجراؤها بتخديرٍ كلي.. فلماذا لم نسمع أصواتًا عندهم تهاجم هذا الأمر وتتحدث عن خطورةِ إجرائه في هذه السن وعن أنهم عاشوا سنينَ قبل ذلك بدون الختان ولم يحدث شيء فلماذا نُجريه لهم الآن؟.. فلماذا يحدث هذا عندنا أم أننا قوم رُزقوا الجدال؟.
لقد جاء في تفسير سورة البقرة أنَّ الله سبحانه وتعالى قد ابتلى إبراهيم بكلماتٍ فاستجاب إبراهيم عليه السلام وأتمَّها فكان جزاؤه أن الله جعله إمامًا للناس فسأل إبراهيم ربه أن يجعل ذلك لذريته من بعده فقال له المولى سبحانه إنَّ عهده هذا لا يشمل الظالمين من ذريته، وهذه الكلمات هي حلق العانة ونتف الإبط وجز الشارب وإعفاء اللحية والختان، فالختان كان مما أُمر به عليه السلام وسببًا في جعله إمامًا للناس، وجاء في التوراة أن الله سبحانه وتعالى جعل الختان علامة بين الله وإبراهيم وذريته فإن أقاموه فإنه سيجعلهم يرثون الأرض المقدسة من الفراتِ إلى النيل فقد جاء في سفر التكوين (هذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم وبين نسلك من بعدك يختن منكم كل ذكر فتختتنون في لحم غرلتكم فيكون علامة عهد بيني وبينكم) سفر التكوين (17-10)، ولقد جاء في صحيحِ البخاري أن ظهور ملاك الختان لهرقل كان تفسيره ظهور نبي آخر الزمان الذي انهارت مع قدومه الإمبراطورية الرومانية والتي جاءت إلينا من جديدٍ وتريد أن تحرمه علينا.
فالختان ليس قطعةً من الجلد صغيرة تُزال وانتهى الأمر، بل لها مدلولٌ كبيرٌ في الوعد الإلهي لإبراهيم وذريته التي تتقاتل الآن.
ولقد استطاع بولس وهو ليس من الحواريين أن يخدع النصارى ويُخرجهم من الوعدِ الإلهي لإبراهيم وذريته حين منع الختان لهم وحرَّمه عليهم، وقال كلامًا يُشبِّه إلى حدٍّ كبيرٍ كلام البعض لدينا اليوم مثل ليس المهم ختان الجسد بل المهم هو ختان القلب، وقال: (ليس الختان شيئًا وليست الغرلة شيئًا المهم هو حفظ وصايا الله) أعمال الرسل (7-19)، فقد كان بولس يقفز فوق النصوص إلى ما يعتقد أنه الغاية حتى أفرغ النصرانية كلها من مضمونها وللأسف يسير البعض منا حاليًا على خُطى بولس.
وعلى ذلك فقضية الختان لها دورٌ كبيرٌ في عمليةِ حسم الصراع بين ذريةِ إبراهيم على الأرضِ المقدسةِ من الفراتِ إلى النيل فليتعقل المتكلمون، وليعي المفتون حتى لا يرتكبوا جريمةً في حقِّ الأمة وحقِّ الدين.