بقلم: عاطف عبد الهادي
حملت الأخبار مساء يوم السبت 18 من ذي القعدة= 9 من ديسمبر نبأ وفاة علَم من أعلام الفقه الإسلامي هو الشيخ الجليل عطية صقر، الرئيس الأسبق للجنة الفتوى بالأزهر، الذي طالما قدم حياته "عطيةً" لجمهور المسلمين، شارحًا ومفتيًا ومدرِّسًا ومربيًا ومجاهدًا ومدافعًا، آخذًا أهبَّته لدحض شبه المضللين ورد كذب الخرَّاصين وحارسًا من حرَّاس العقيدة، غاص في أعماق الفقه بعقله الراجح وفؤاده النقي وقلبه الزكي ليقتنص كالـ"صقر" الحكم الجليّ والراجح والدواء الناجع لما يجد من أحداث اقتضتها طبيعة العصر، فكان بحق علَمًا من العلماء وفقيهًا من الفقهاء بل وإمامًا من الأئمة الفضلاء..
والشيخ عطية صقر من مواليد عام 1914 بمحافظة الشرقية (شمال القاهرة) وحصل على شهادة العالمية 1943، ثم عيِّن بمراقبة البحوث والثقافة بمجمع البحوث الإسلامية في عام 1965، ثم عمل الشيخ عطية صقر واعظًا بالأزهر، ووكيلاً لإدارة البعوث في الأزهر عام 1969، فمستشارًا لوزير الأوقاف، ثم مديرًا لمكتب شيخ الأزهر عام 1971، وفي عام 1972 انتُدب أمينًا عامًّا مساعدًا لمجمع البحوث الإسلامية، وشغل منصب رئاسة لجنة الفتوى في الأزهر في الثمانينيات بعد أن كان عضوًا بها، بالإضافة إلى أنه كان عضوًا بمجمع البحوث الإسلامية لفترة طويلة امتدت حتى منتصف تسعينيات القرن الماضي.
جاءت الوفاة بعد حياة حافلة بالعلم والدعوة، وقد تجاوز سن الشيخ التسعين، فكان من أطول الناس عمرًا، وكان عالمًا جليلاً، طالما سعى لنشر العلم وتبيين آيات الله للناس، فكان لسان صدق وحديث خير لدعوة الله في أرضه، ونحسب حديث رسول الله "خير الناس من طال عمره وحسن عمله" من نصيبه، ونحسب كذلك أن علمه الذي سعي في تحصيله وتعليمه الناس هو من وراثته التي ورَّثها لطلابه والتي وَرَثها هو عن نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم "العلماء ورثة الأنبياء" فيقول الرسول: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (رواه مسلم)، فاللهم اجعل علمه عملاً صالحًا لا ينقطع ثوابه عنه حتى تدخله الجنة، وتنزله أعلى درجاتها.
عزاؤنا أيها المسلمون لأننا فقدنا عالمًا، وفي فقد العالم قبض للعلم، وفي هذا يقول الرسول فيما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهَّالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" (متفق عليه)، وما روي عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "موت العالم مصيبة لا تجبر، وثلمة لا تسد، وهو نجم طمس، وموت قبيلة أيسر لي من موت عالم" (رواه الطبراني في الكبير).
ولله در القائل:
الأرض تحيا إذا ما عاش عالمها متى َيمُتْ عالمٌ منها يَمُتْ طرف
كالأرض تحيا إذا ما الغيث حلَّ بها وإن أبى عاد في أكنافها التلف
وصدق الآخر إذ يقول:
لعمرك ما الرزية فقدُ مال ولا شاة تموت ولا بعير
ولكن الرزية فقد شهم يموت بموته خلق كثير
كان للشيخ رحمه الله منهجُه الفقهي الوسطي المعتدل المتزن، وكان جريئًا في الحق، شجاعًا في فتواه، لا يخشى في الله لومة لائم، ولقد ترك الشيخ ميراثًا فقهيًّا واسعًا كمرجع للجنة الفتوى بالأزهر الشريف؛ حيث تناول العديد من القضايا الفقهية المعاصرة والمهمة، والتي لم يسبق إليها أحد، ومن أبرز هذه الفتاوى فتوى جواز تولي المرأة رئاسة الرجل في أي عمل، إلا في الرئاسة أو الولاية العامة، كما ترك الشيخ موسوعات فقهية كبيرة، أهمها سلسلة فتاوى وأحكام في فقه العبادات، وسلسلة فقه الأسرة المسلمة، واشتهر الشيخ خلال السنوات الماضية ببرنامجه الإذاعي المتميز (بريد الإسلام) الذي يُبَثُّ على موجات إذاعة القرآن الكريم، والذي تواصل لأعوام طويلة.
ولم يكن الشيخ يكتفي في فتواه بتبيين الحكم أو الفتوى المنوطة بالسؤال، بل كان يشفع فتواه بنصائح كريمة وتدليل على فعل الخير وأخذ الناس من قلوبهم بلطف وتؤدة إلى ربهم بحب وود وتشويق.
إننا إذ نعزِّي الشيخ صقر نعزِّي فيه علمًا قدمه للإسلام والمسلمين، أضاءَ للناس جميعًا أمور دينهم ودنياهم؛ فكل فتاواه مهمة، وهو أحد عمالقة الفتوى في الأزهر الشريف، وكان رحمه الله يجمع بين العلم وحسن العرض وانتقاء الكلمة الأنيقة، وطلاقة الحديث، والإحاطة العلمية، وكان رحمه الله ذا فكر وسطي معتدل يجمع بين الأصالة وروح التجديد بعيدًا عن التعنُّت والتسيُّب.
كان الشيخ معطاءً حتى آخر لحظات حياته، فكان حريصًا على أداء المحاضرات للطلاب الوافدين من مختلف دول العالم الإسلامي، وأكبر دليل على ذلك أنه ألقى محاضرةً الأسبوعَ الماضي للطلاب الوافدين؛ حيث كان مقرَّرًا أن يلقي تلك المحاضرات كل أسبوع.
وكان متواضعًا- رحمه الله- وفي هذا يخبر أحد تلامذته قائلاً: "والله لقد رأينا مسكنه وهو إذ ذاك رئيس لجنة الفتيا بالديار المصرية.. شقة أقل من المتواضعة!! وإن دل فإنما يدل على نزاهته وطهارة يده التي لم تقبل العطايا للتنازل عن الحق.. أخرجوه من اللجنة ليزيحوه عن طريق الحق الذي طالما جاهد لإيصاله فثبَّته الله ورفعه وأصبح له في الإذاعة أشهر برنامج في الفقه".
كان رحمه الله ذا مدرسة فقهية عظيمة، تُعنَى بإعمال علم أصول الفقه، ومراعاة أحوال الناس والمجتمعات في فتاواه، من دون إخلال باتباع الدليل؛ ما جعله على الدوم في القلب بعيدًا عن الكراسي، وعاش حياته لم يسْعَ إلى منصب أو غيره.
وشاء الله أن يُنهي الشيخ حياته بالصبر، فكان المرض سببًا في وفاته بإذن الله، فتقبله صابرًا محتسبًا مجاهدًا.
فرحم الله هذا العالم الجليل والمفتي الفقيه، وأثابه عن طلابه الذين لم يبخل عليهم بفيض علمه، ونفعنا بعلمه، وجعل علمه شفيعًا له وثوابًا جزيلاً له، ونسأل الله- جل وعلا- أن يأجرنا في مصيبتنا وأن يخلفنا خيرًا منها، وإن أملنا بالله عظيم في أن يهيِّئ لهذه الأمة عالمًا ربانيًّا يقودها إلى الحق والخير، وأن يبارك فيمن بقي من علماء الإسلام ودُعاته، وأن يُطيل أعمارَهم ويسدِّدَ خطاهم ويكفيهم كل الشرور، وأن يجعلهم ناصرين للإسلام وقضاياه، آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر إنه سميع مجيب.