غسان مصطفى الشامي

بقلم: غسان مصطفى الشامي*
هل انتهت الآلام والمشاهد والمآسي التي يحياها الشعب الفلسطيني؟؟ كلا.. فمسلسل الجرائم والمجازر الصهيونية لم ينتهِ بعد، وآثار وآلام هذه المجازر لا زالت ماثلةً في أذهان أبناء الشعب الفلسطيني وأطفاله ونسائه، ومجزرة بيت حانون الأخيرة خير دليل على ذلك، فالمشاهد أقوى من كلِّ التعبير أو التصوير، ولا يمكن وصف المجزرة بأي حالٍ من الأحوال من شدةِ هولها وبشاعتها.
* تخيل أيها القارئ أنك نائم بأمان وهدوء وسلام، ويفاجئك كابوسًا مخيفًا.. فجأةً تنتفض من نومك مذعورًا من شدة الحلم المريب.. هذا في الخيال والأحلام المشئومة.. فما أدراكم عندما يتحول الخيال إلى واقعٍ حقيقي.. هذا ما حدث بالضبط مع أهالي بلدة بيت حانون في المجزرة الأخيرة، عندما استيقظ الأطفال والنساء والقذائف تتساقط عليهم كزخاتِ المطر.
أما صراخ الأطفال والنساء فيملأ المكان، فيما تتطاير الأشلاء والرؤوس وأكوام اللحم في كل مكان.
على وقع هذه المشاهد المرعبة استيقظ أهالي بيت حانون، فلم يكن صباحهم عادي، بل كان صباحٌ مغمسٌ بالدماء وأشلاء الأطفال.. هذا المشهد المروع لم يكن الأخير بل سبقته مشاهد كثيرة.. فقد حَدث هذا المشهد سابقًا بحي الدرج بتاريخ 22/07/2002م، عندما ألقت قوات الاحتلال بقنبلة تَزن طن على بناية سكنية في هذا الحي المكتظ بالسكان، وقتلت العشرات من الأطفال والنساء، ولا زالت آثار مجزرة حي الدرج وذكرياتها ماثلة في أذهان أهالي الحي وأطفاله، فيما أصبح مكان المجزرة مشهورًا للجميع، ويُستخدم للاستدلال به، وعندما يصطحبك أحد أطفال الحي إلى المكان يُشير لكَ بسبابته الصغيرة إلى مكان مجزرة حي الدرج ويقول لك "هنا صارت المجزرة".
* مَشهد مجزرة حي الدرج تَكرر في بلدة بيت حانون عندما ألقت الدبابات الصهيونية حممها وقذائفها الملتهبة على المنازل والمباني، لتقتل العشرات من الأطفال والنساء والشيوخ.. فقد باغتتهم القذائف وهم نائمون آمنون مطمئنون.. وقتلت تلك القذائف الأطفال في أحضان أمهاتهم.. مثل هذه المشاهد والمآسي لا زالت ماثلة في أذهان الأطفال والنساء في بلدة بيت حانون.
* الفتى صخر العثامنة ابن الخامسة عشر ربيعًا أحد الناجين من مجزرة بيت حانون، حيث استشهدت أمه وعمته وأبناء عمه، فيما أُصيب باقي أفراد عائلته المكونة من أربعة من الأولاد واثنتين من البنات، عندما سألته عن المجزرة، لم أتوقع منه إجابات مفصلة، ولكن حدث العكس، حيث تحدَّث عن المجزرة وتفاصيل مشاهدها الأليمة، وقال لي "تخيل أنك ترى رؤوسًا وأشلاءً تتطاير، وترى بجوارك أقدامًا وأيادي مقطوعة، فيما تُشاهد رؤوس أطفال تتطاير هنا وهناك وهي ضاحكة"، كما قال: "لقد شاهدت جثثًا لأطفال يضحكون وهم نائمون بأمنٍ وسلام".. وقال: "ماذا بقي لي.. فقد فقدتُ أمي وعمتي وأولاد عمي الثلاثة الذين تركتهم في آخر لقاءٍ معهم يضحكون ويبتسمون..".
وقال الفتى العثامنة: "تَصور أنني عندما كنتُ في إحدى المستشفيات "الإسرائيلية".. زارني والد الجندي "الإسرائيلي" الأسير "جلعاد شاليت".. وقال: "نحن سنعوضكم" فغضب منه والدي غضبًا شديدًا.. فوالد "شاليت" لا يَعرف مدى حُب الفلسطينيين لوطنهم وتضحيتهم من أجله.
ولا يعلم أنَّ الفلسطينيين يُحبون الموت في سبيل الله، أكثر من حب بني "إسرائيل" للحياة والمال، على هذا النموذج، تَجد أطفال ونساء وشيوخ فلسطين، فكلهم مستعدون للتضحية والفداء في سبيل وطنهم فلسطين.. وبيت حانون نموذجًا في الفداء والتضحية والعطاء، والحاجة الاسشتهادية فاطمة النجار، وغيرها من الاسشتهاديات نموذجًا في التضحية من أجل فلسطين.