د. جابر قميحة

بقلم: الدكتور جابر قميحة*
ليس هناك كتاب ديني مُنزَّل أو غير مُنزَّل، قدَّر قيمة القلم، ومكانة الكلمة البانية كما فعل القرآنُ الكريم، مع أنه نزل على نبي أمي، وأُمَّة أمية.. حتى إنه أقسم بالقلم في مطلع سورة سُميت باسم "القلم"؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2)﴾ (سورة القلم).
يقول شهيد الإسلام سيد قطب- رحمه الله-: "يقسم الله- سبحانه- بنون، وبالقلم وبالكتابة... فأما القسم بها فهو تعظيم لقيمتها، وتوجيه إليها، في وسط الأمة التي لم تكن تتجه إلى التعلُّم عن هذا الطريق، وكانت الكتابة فيها متخلفة ونادرة، في الوقت الذي كان دورها المُقدَّر لها في علم الله يتطلب نمو هذه المقدرة فيها، وانتشارها بينها لتقوم بنقل هذه العقيدة، وما يقوم عليها من مناهج الحياة إلى أرجاء الأرض، ثم لتنهض بقيادة البشرية قيادة رشيدة، وما من شكٍّ أنَّ الكتابَ عنصرٌ أساسيٌّ في النهوض بهذه المهمة الكبرى..." (الظلال م6، ص 5654).
الإعلان الأول
ويقطع بهذا الاعتزاز والتقدير أنَّ أول ما نزل من القرآن هو مطلع سورة العلق ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)﴾ (العلق).
يقول شهيد الإسلام سيد قطب ".. هنا نقلة بعيدة جدًّا بين المنشأ والمصير، ولكن الله قادر، ولكن الله كريم، ومن ثَمَّ كانت هذه النقلة التي تدير الرءوس.
وإلى جانب هذه الحقيقة تبرز حقيقة التعليم.. تعليم الرب للإنسان بالقلم؛ لأن القلم كان وما يزال أوسع وأعمق أدوات التعليم أثرًا في حياة الإنسان، ولم تكن هذه الحقيقة إذ ذاك بهذا الوضوح الذي نلمسه الآن، ونعرفه في حياة البشرية، ولكن الله- سبحانه- كان يعلم قيمة القلم فيشير إليه هذه الإشارة في أول لحظةٍ من لحظاته الرسالة الأخيرة للبشرية في أول سورةٍ من سورِ القرآن الكريم.. هذا مع أنَّ الرسولَ الذي جاء بها لم يكن كاتبًا بالقلم، وما كان يبرز هذه الحقيقة منذ اللحظة الأولى، لو كان هو الذي يقول هذا القرآن، لولا أنه الوحي، ولولا أنها الرسالة" (الظلال م 6 / 3939).
إعلام لا يموت
ويحتفي القرآن كذلك بالكلمة المنطوقة التي توجه وتبني وتعمر، فكانت أكثر الأفعال ورودًا في القرآن: فعل الأمر ﴿قُلْ﴾ فقد جاء في القرآن 332 مرةً بصيغة المفرد، وست عشرة مرة للجمع بنوعيه، والمثنى والمفردة، فيكون المجموع 348 مرة.
ولا أُسرف إذا قلت إن "المطلوبات" من هذا الفعل، ومضامينه يقدم أبعاد العقيدة، والخلق، والسلوك:
- فهو يأمر بتوحيد الله والإيمان به ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2)﴾ (الإخلاص).
- والله- سبحانه وتعالى- هو منبع الهدى، والهادي إلى الحق ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ (البقرة: 120).
- وهو القادر فوق عباده، وقدرته بلا حدود ﴿قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذ