"شهامة" اسم جمعية علمانية تدَّعِي أنها تعمل لمكافحة مرض الإيدز في العالم العربي، ولا صلةَ لها بخُلق الشهامة الذي يعني الترفع عن الدنايا والحرص على الخلق الرفيع، وهي تنتسب إلى الأمم المتحدة: المكتب الإقليمي للدول العربية- البرنامج الإقليمي للإيدز في الدول العربية، وقد اجتمعت هذه الجمعية بالقاهرة من 6 إلى 9/11/2006م وحضرت الاجتماع 60 امرأةً من القائدات الدينيات، وشرَّفه د. الشيخ سيد طنطاوي وممثل البابا شنودة ود. حمدي زقزوق وزير الأوقاف.
ويتحدث البيان الصحفي الصادر عن الاجتماع عن الوقوف معًا متحدين في الإيمان فيتوقع المرء أن يكون دور الدين في مقاومة الإيدز موضع البحث والتقدير، لكن سرعان ما يتبدد ذلك التوقع فلم يبدأ أي تقريرٍ صادرٍ عن الجمعية ببسم الله الرحمن الرحيم.
وغياب البسملة علامة معروفة على التوجهات العلمانية في كافة مجالات العمل العام، ووجود شيخ الأزهر لا يغني عن البسملة، بل يزيد الإحساس بأنَّ هؤلاء القائدات الدينيات لسن سوى علمانيات يتخفين وراء الاسم ووراء حضور إمام الأزهر وقائد الكنيسة ووزير الأوقاف.
ورفعت الجماعة شعارًا خاطئًا وفارغًا هو "الأديان في خدمة الإنسانية"، ولا يمكن أن يكون الإسلام خادمًا للإنسانية، ولا يصح وصفه بأنه خادم، كما يقال: "الشرطة في خدمة الشعب" مثلاً! والصواب أن يقال: البشرية في رعايةِ الإسلام؛ لأنه يرعاها في تصويب عقائدها وشرائعها وأخلاقياتها، لكي تعيش حياةً نظيفةً سعيدة، خالية من الأوبئة والكوارث، وهكذا يظهر مضمون الشعار السديد، ويكون له مسوغاته الشرعية، بعكس الشعار الخاطئ الفارغ الذي يتناقض مع الأصول والشرائع الإسلامية.
والإسلام يرعى البشرية بأخلاقياته التي تصونها عن التردي في أوحالِ الفحشاء وفعل قوم لوط الذي يعتبر السبب الأساسي في نشر العدوى بهذا المرض الخطير، باعتراف الخبراء في جميع أنحاء العالم.
ولأن العالمَ غير الإسلامي تنصَّل من فضيلة العفة الجنسية، وترك الرجال ينزون على النساء دون زواجٍ شرعي، كالكلابِ في الشوارع، فإنهم اصطنعوا ما يُسمَّى الواقي الذكري للوقاية من العدوى، غير أنه ثبت- باعتراف جمعية شهامة نفسها- أنه لا يمنع العدوى أحيانًا.
وكان المفروض من القائدات الدينيات أن يبرزن هذه الفضيلة الإسلامية العظيمة التي أنقذت أمتنا من ذلك الوباءِ الرهيب الذي يحصد أرواح البشر في كل مكانٍ ليترك البلاد خرابًا يبابًا وفي جنوب الصحراء الإفريقية على وجه الخصوص، لكنهنَّ لم يفعلن شيئًا في هذه المسألة المهمة.
ثم ذهبن إلى أبعد من هذا تجافيًا للحقائق، فبالغن في تقديرهن لأعدادِ المصابين بالإيدز في العالم العربي، دون الاستناد إلى أيةِ إحصاءاتٍ رسميةٍ معتبرة صادرة عن جهات مختصة كأنهن يقلن لنا:
إن العفة الإسلامية لم تصنع شيئًا! لكن الجهات الرسمية لم تتوقف عن إصدار البيانات والإحصاءات، وهي تُكذِّب ما ذهبت إليه هذه الجمعية تكذيبًا قاطعًا، وتثبت أنهن مغرضات، لا عالمات، ربما لترويع المسلمين أو تعظيم شأن جمعيتهن، فضلاً عن تحقير الأثر الكبير للإسلام في حماية أمته من الإيدز.
إن الإحصاءات تقول إن في مصر ما بين 973 إلى 1200 مصاب هذا ما ذكره وزير الصحة السابق: فتقول "شهامة" إن مصر اقتربت من جنوب أفريقيا التي بها 5 ملايين مصاب، والتي يعاني 27% من جنود جيشها من الإيدز وتقول "شهامة" إنَّ من المعلوم أن الدول العربية لديها واحد من أسرع معدلات الإصابة في العالم، وهذه إكذوبة كبرى لا تؤيدها أية جهة محلية أو عالمية إنها خرافة تُروِّج لها تلك الجمعية لأغراضٍ غير مشروعة.
وتقول أيضًا إن المنطقة العربية واحدة من أكثر المناطق ارتفاعًا في معدلات الإصابة بفيروس نقص المناعة على مستوى العالم، وهذه أكذوبة أخرى لا تستند إلى أي تقريرٍ علمي أو إحصاء رسمي، وهذه جسارة ممقوتة من هذه الجمعية، ويجب التصدي لها وفضح أكاذيبها ونشر الحقائق المُوثَّقة الصادرة عن مراجع صحية معترف بها، ومن هذه الحقائق أن في العالم ما بين 40 إلى 50 مليون مصاب بالمرض، نصفهم تقريبًا في إفريقيا جنوب الصحراء، ثم تأتي آسيا ثم أوروبا الشرقية بعد ذلك، وتذكر الدول الأكثر إصابة بالمرض، وهي بتسوانا وموزمبيق وسويزيلاند وزيمبابوي وزامبيا وأنجولا وليسوتو ومالاوي ورواند ومالي، ولم تذكر دولة عربية واحد ضمنها، (راجع مكتب الإحصاء الأمريكي).
وكما تغافلت "شهامة" عن الأثر العظيم للعفة الجنسية في ديننا الحنيف، تناست الأثر الوقائي لختان الذكور، وكانت جامعة موناس الأسترالية قد أجرت بحثًا علميًّا عن أثرِ الختان في الوقاية من عدوى الإيدز، أثبتت فاعليته كواقٍ من العدوى (راجع الخبر في جريدة الأهرام اليومية في 7/9/2004م) ومعلوم أنَّ العلمانيين العرب يناضلون من أجل تحريمِ ختان الذكور بعد أن نجحوا في التشكيكِ في قيمةِ ختان الإناث واستصدار قرارات حكومية بتحريمه في بعض البلاد المسلمة.
والعالم الجاد كله يتحدث عن طريق الوقاية وأساليب العلاج، لكن "شهامة" تتحدث عن اللغة الواجب استخدامها في الحديث والكتابة عن الإيدز والمرضى! فالقائدات الدينيات لا يردن استخدام ألفاظ التحلل والإباحية والشذوذ الجنسي وفعل قوم لوط والدعارة، وهن يقترحن تعبيرات أخرى تسمى الدعارة الجنس التجاري وتسمى الداعرات والبغايا العاملات في الجنس التجاري، وتسمى الإباحية تعدد الشركاء الجنسيين وكما ترى، هذا عبثٌ ولغو لا طائل من ورائه، وربما كان ذلك هو سبب إغفال ذكر اسم القائدة الدينية المغوارة التي اقترحته، ومن الجلي أنَّ هذه التعبيرات المضحكة تُعبِّر عن إعجاب بالغرب وثقافته التي وصفها برزنسكي بأنها إباحة الاستباحة.
ومن الملاحظ أن أوراق الاجتماع تتحدث عن الشرق الأوسط مع أنَّ الاجتماع عقد تحت مظلة الجامعة العربية والمكتب الإقليمي للدول العربية، والمنهج العلمي المتبع يعالج قضية المرض في كل بلدٍ على حدة، ويحدد نسب انتشاره في كل بلد على حدة، ولا يحاول استخراج نسب لمناطق مثل الشرق الأوسط الذي لا تعرف حدوده حتى الآن؛ ولذلك يتحدثون عن الشرق الأوسط الكبير، أو الجديد... إلخ!.
والحديث عن الشرق الأوسط، تبعًا لهذا، حديث عقيم لا يفيد أحدًا، والمطلوب هو التحديد، والاستناد إلى إحصاءاتٍ طبيةٍ رسمية.
وأخيرًا يلاحظ أن الأسماء البارزة بين القائدات الدينيات هن موظفات في مكاتبِ الأمم المتحدة ولا أدري هل أصبحن قائدات دينيات بسببِ وظائفهن أم أنهن شغلن تلك الوظائف لما لهن من باعٍ طويلٍ في المعرفةِ بالإسلام والعمل به والسعي للتمكين له؟
ويلاحظ أيضًا الغياب المطلق للشخصيات الإسلامية البارزة في العالم العربي، باستثناء الوزراء والمسئولين بجامعة الدول العربية.