د. حلمي محمد القاعود

 

بقلم: الدكتور حلمي محمد القاعود

هو خبر صغير، لم تلتفت إليه أجهزة الدعاية العربية، ولم تقف عنده بالقراءة والتحليل، باستثناء قناة الجزيرة التي بثته بوصفه خبرًا ثانويًّا غير رئيسي.. وفي الحقيقة فإنَّ دلالةَ الخبر كبيرة للغاية بالنسبة لمصدره وفحواه.. يقول الخبر في جملة موجزة: "قررت دولة قطر أنْ ترفعَ مخصصاتِ البحث العلمي إلى 2.8% من إجمالي الدخل القومي".

 

هذا هو الخبر البسيط، الخطير أيضًا؛ لأنَّ معظمَ دولنا العربية، أو الدول العربية مجتمعة لا يتجاوز إنفاقها على البحث العلمي أكثر من 0.3% أي أقل من نصف في المائة من إجمالي الدخل القومي للأمة جمعاء، بينما العدوِّ النازي اليهودي يخصص أكثر من 3% من دخله للبحث العلمي، مع الفارق بيننا وبينه في الظروف والأحوال!

 

أمة أمجاد يا عرب أمجاد، تنفق على كرة القدم وأهل الفن والفرفشة ومسابقات الخيول والجمال ومهارج السينما والمسرح التجريبي (هل هناك مسرح تقليدي؟) ومؤتمرات الأحزاب الديكتاتورية الحاكمة، والعروض العسكرية "الخايبة" والحفلات التليفزيونية التافهة والأبواق الكاذبة في الصحافة الحكومية وقنوات التليفزيون الداعرة وموجات الأثير الفارغة، فضلاً عن قوات القمع البوليسي الفاشي، وما تحتاجه من أسلحة وقنابل وسجون وأدوات تعذيب ووسائل تجسس على عباد الله.. أضعاف أضعاف ما تصرفه على البحث العلمي!

 

يكفي أن يكون نصيب الباحث المصري أستاذًا أو طالبًا في الجامعات ومراكز البحوث لا يتجاوز (ثلاثة جنيهات في السنة!).. فريق النادي الأهلي سجل هدفًا على أحد أندية تونس قبل أسبوع، فاستُقبل في مطارِ القاهرة الدولي لدى عودته استقبال الأبطال، وتمَّ صرف مليون جنيه مكافأةً أوليةً للاعبين!

 

ثم يأتي بعد ذلك مَن يتهم الجامعات المصرية المحتلة بوليسيًّا، الفقيرة ماديًّا، بأنها لا تؤدي واجباتها العلمية، وتخلفت حتى صارت خارج خمسمائة جامعة في العالم، وفي موقعٍ متخلفٍ بالنسبة للجامعاتِ الإفريقية المنشأة حديثًا!

 

أستاذ الجامعة المصري الذي أفنى زهرةَ عمره، صار مثل خيل الحكومة، ينتظر رصاصة الرحمة؛ لأن تلاميذ تلاميذه في البنوك والمؤسسات والهيئات الأمنية والقضائية والإدارة المحلية يتقاضون أضعافَ ما يتقاضاه، وهو لا يستطيع بحكمِ وضعه الاجتماعي- أن يُغطي التزاماته الأسرية، فكيف يتبقى له ما ينفقه على المصادرِ والمراجعِ والدورياتِ العلمية والتجارب المعملية؟

 

خطوة قطر بالنسبة للدول العربية كافة، تعدُّ قفزةً رائعة، وسط عالمٍ من الضعفِ والتخلفِ والهوان، وتؤكد أنَّ هذه "الدويلة" الصغيرة عرفت طريقها لتصبح دولةً كبرى حقيقيةً، بعد أن تراجعت الدول العربية الكبرى، وجعلت غايتها "البوليسية" الفاشية في قهر شعوبها هي الهدف الأسمى والغاية العظمى!

 

لا شك أنَّ إطلاقَ قُدرة الباحثين في قطر، سواء كانوا من بينها أو من أشقائهم العرب، أو من الأجانب، ستطلق طاقاتهم وقدراتهم للبحث والكشف والاختراع، وهو ما سوف يجعل قطر لو سارت بالمعدل المتصاعد والمتنامي، الدولة الأولى في العالم العربي التي تقود قاطرة العلم والبحث؛ ولو كره المنافقون والأفاقون وأبواق الزور في أجهزة الدعاية العربية الميّتة!

 

لقد خاضت قطر تجارب مهمّة كتبت لها السبق، ولولا تدخلات أجنبية من هنا وهناك، لكانت انطلاقتها قد حققت تقدمًا أعظم وأكبر.

 

قبل ربع قرن من الزمان تقريبًا، خاضت قطر تجربة إصدار مجموعة من المجلات الأدبية والإسلامية والرياضية، فأصدرت مجلة الأمة، ومجلة الدوحة، ومجلة الصقر، بالإضافةِ إلى مجلات وصحف أخرى، ولولا تدخل قوى الشر الدولية، لما توقفت هذه المجلات كرهًا، وكانت قد