لا أظنُّ أن بلادنا عاشت فترةً مماثلةً للفترة الحالية التي اختلطت فيها الأمورُ، وسالت فيها القيمُ، وصار الحقُّ باطلاً والباطلُ حقًّا، والشريفُ معتقَلاً، والخسيسُ يتمتع بالحرية والحماية والشهرة والبطولة!! ومن المؤسف أن النخبة التي تستخدمها السلطةُ في أجهزة الدعاية برَعَت في الكذب والتزوير والتدليس على حساب الوطن وحاضره ومستقبله أيضًا، ولم تكن الهجمةُ الجنسيةُ التي قامت بها قطعانُ الشباب المراهِق في وسط القاهرة أيام عيد الفطر الماضي إلا نتاجًا لهذا المسلكِ غيرِ المسئول من جانب السلطة وأبواقها المأجورة؛ التي جعلت الاستنارةَ مرادفًا للانحلال والإباحية واستدعاء أخلاق قاع المجتمع بكل ما فيها من بذاءةٍ وقُبْحٍ وخسةٍ ودناءةٍ وبُعدٍ عن الصواب!!
وهجمة الاستنارة الجنسية التي أذهلت المجتمع أيام العيد سبقتها تجربةٌ محدودةٌ في مناسبة سابقة، حين قامت غانيةٌ من أصل غير مصري بالرقص أمام دار السينما التي تعرض فيها أحد الأفلام التي تشارك فيها، فجمعت حولها الشباب المراهق الذي تجمع ليشاهد كتلة اللحم التي تتلوَّى أمام شباك التذاكر، وتغني أغنيةً فاضحةً، ويومها انتهت المسألة بسلام وانصرف كلٌّ إلى حال سبيله.
أما في هذا العيد فقد جاءت "العالمة" المصرية لحمًا ودمًا، وقلَّدت سابقتها، وراحت تهزُّ وسطَها واندفع الشباب من هنا وهناك؛ ولأن العالمة المذكورة لها سابقة مشهورة مقزِّزة ومخجلة، وتجعل أية واحدة تمرُّ بهذه السابقة تتوارَى خجلاً ولا تظهر أمام الناس.. فإن بجاحتها التي وصلت إلى درجة الوقاحة لم تمنعها من الذهاب إلى دار السينما وممارسة الإثارة؛ مما ترتب عليه ما استنكره كل حرٍّ شريف في هذا الوطن!!
والمفارقة أن هذه العالمة والجهات المسئولة وجدت في نفي الأمر جملةً وتفصيلاً وسيلةً من وسائل إقناع الناس، بعدم حدوث شيء يعكر صفو الأمن أو يخدش الحياء أو يؤثر على أخلاق المجتمع وقيمه، وراح السادةُ المعنيون يبرهنون على صدقهم المزعوم بأن امرأةً واحدةً أو فتاةً واحدةً لم تتقدم بشكوى إلى جهات الأمن عن وقوع عدوان عليها أو مضايقة لها، وكأنهم يظنون أن "شريفات" المجتمع يستطعن بسهولة أن يذهبْن إلى أقسام البوليس ليحكيْن ما جرى على أيدي القطعان المتوحشة، في ظل غياب السادة الأمناء على الوطن وسلامته!!
وتبلغ المفارقة ذروتَها حين تجد "العالمة"- التي أثارت جموع القطعان المتوحشة- صحفًا ومجلاتٍ ومواقعَ إلكترونية تُفسح لها مجالات واسعة، لتقول كلامًا سخيفًا، وماسخًا، تدافع به عن نفسها وعن سلوكها وعن مهنتها!!
لا ألوم هذه "العالمة" وأمثالها، ولكني ألوم السلطة والنخبة التي تستخدمها السلطة في تحطيم المجتمع وتدميره، من خلال الشعارات الزائفة التي تتحدث عن الاستنارة والتقدم، وتهاجم الدين والأخلاق والقيم العُليا والمُثُل الرفيعة، وتؤيد الحكومات المستبدة في اعتقال مَن يدعون إلى الله وإلى الإسلام وإلى العمل وإلى العدل وإلى المساواة وإلى الكرامة.
أبواق السلطة من النخب المأجورة ترى في الإسلام ظلامًا ورجعيةً وأصوليةً وجمودًا وتخلُّفًا، ولكنها ترى في الإباحية والانحلال والتدني والتجديف والشذوذ إبداعًا وحريةً وانطلاقًا وتقدمًا وإنسانيةً!!
أليس من العار أن يقف الكتَّاب المأجورون مع حاكم أستراليا الصليبي المتعصِّب ضد إمام مسلم شبَّه العُريَ باللحم الذي يجذب الذباب؟! هل هذا التشبيه يؤذي الأستراليين ويمثل تجاوزًا من عالم دين مسلم، يخاطب المسلمين ويرشدهم إلى أصول دينهم وواجباتهم نحو هذا الدين؟! هل نحن المصريين المسلمين الذين نمثِّل أكثريةً في هذا الوطن نستطيع الاعتراض على ما يقوله رجل دين غير مسلم، في كنيسة أو كنيس؟! هل يمكننا نحن المسلمين أن نتدخَّل في طريقة الوعظ التي يقوم بها القساوسة والكرادلة والحاخامات؟! وكيف تكون مسألة الحجاب مسألةً ثانويةً كما ترى بعضُ أبواق السلطة من الكتَّاب الماسون، والغرب بكل ساسته وكتَّابه وإعلامه يقف على قدمٍ وساقٍ ليطعَنَ الإسلام والمسلمين، من خلال موضوع الحجاب، ويُصدرُ من أجله القوانين التي تحرِّمُه وتمنع المحجبات من الدراسة وتحرمهن من العمل وتفرض عليهن خلعَه وهنَّ يخاطبن الساسةَ والنوابَ والمسئولين في البلاد الغربية التي تزعم الحرية والديمقراطية والمساواة والإخاء والعدل.. إلى آخر معزوفة القيم التي كانوا أول من داسَ فوقها وبصَقَ عليها، طالما تعلَّقت بغير الأوروبيين الصليبيين!!
"إن غير المحجَّبات لحمٌ معروضٌ للبيع في الأسواق".. هذا التعبير لم يعجب كاتبًا ماسونيًّا من كتَّاب السلطة، وعدَّه تجاوزًا فجًّا وعنفًا بالغًا- لاحظ وصف العنف البالغ- ويُفسر ذلك بأن المعروض للبيع هو لحم الذبيحة أو لحم العاهرة، ومن حقّ الأستراليين أن يرفضوا هذا الكلام الذي ينتمي إلى عصور الظلام أو العصور الوسطى كما يراها الكاتب الماسوني، بالطبع العصور الوسطى عندنا نحن المسلمين تعني القوة والحضارة والازدهار، وكان الإمبراطور شارلمان أيامها أميًّا لا يعرف القراءة والكتابة، وكان الأوروبيون لا يعرفون الاستحمام الذي علمهم إياه الخليفة هارون الرشيد، أعظم خلفاء العصور الوسطى الإسلامية وليس الأوروبية.
الكاتب الماسوني يعلم جيدًا أن الأوروبيين حوَّلوا المرأةَ إلى ذبيحةٍ ولحمٍ معروضٍ في الأفلامِ الإباحيةِ التي تمثل مصدرًا من أهم مصادر الدخل في الغرب وأمريكا، وحوَّلوها إلى ذبيحة في السينما وعروض الأزياء والتلفزيونات والمحالّ والسكرتارية والإعلانات وأغلفة المجلات.. وغيرها.
المرأة الغربية ذبيحةٌ ولحمٌ معروضٌ "يعفُّ" عليه الذبابُ والترابُ، والكاتب الماسوني يعلم ذلك جيدًا، ويجب عليه إذا كان حريصًا على قيم الإسلام وعقيدته- كما يدَّعي- أن يقول للأجهزة الدعائية التي تملكها السلطة وترعاه: اتقي الله في هذا الوطن، واجعلي من دعاة "تسليع المرأة" مطلوبين للعدالة بدلاً من تقديمهم بوصفهم رسلا استنارة ودعاة حرية وصنَّاع إبداع.
لا شكَّ أن المرء حين يقلِّب قنوات التلفزة ويستمع إلى موجات الإذاعة ويتصفَّح صفحات الصحف، ويرَى فيها دعاة الاستنارة الجنسية هم الذين يتكلَّمون، وهم النجوم، وهم الذين يُفتون في أمور الدنيا والدين.. يجب أن يعذر قطعان الشباب المراهِق الذي انطلق وراء غانية أو عالمة راحت تهزُّ وسطها وترقُص شبهَ عاريةٍ أمام شباك التذاكر بإحدى دور السينما، ووجدت مَن يساندها بالقول والفعل، ويجد في نفسه الجُرأة على نفي فعل فاضح رآه كثيرٌ من الناس واستنكروه ولَعَنوا من حرَّض عليه وقادَ إليه؛ لأنه قاد قطعان الشباب المحروم إلى ما هو أفظع وأبشع.. ألا لعنة الله على الظالمين!!
-----------