السيد نزيلي

 

كثيرًا ما نردد حديث (دعاء) رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "اللهم اجعل خيرَ أعمارنا آخرها، وخير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك، ووتوفَّنا وأنت راضٍ عنا" آمين.

 

وأحسب أننا قد عشنا مع ثلثي شهر رمضان المعظم أحلَى أيامنا وأبرك ليالينا، عشنا معه صيامًا وقيامًا وركوعًا وسجودًا وتلاوةً وتدبرًا وحفظًا للقرآن الكريم، كنا فيه والحمد لله أكثر حُبًّا لله ولرسوله- صلى الله عليه وسلم- ولكتابه.. ازددنا فهمًا لديننا.. وصلةً موصولةً بربنا.. وإدراكًا لغايةِ وجودنا.. وعمقًا لمتطلباتِ دعوتنا.. ودورنا المهم نحو الناس.. كل الناس.. في أن نأخذ بأيديهم إلى شاطئ الأمان ومرفأ الإنقاذ.. ولا يتأتى ذلك ولا يتحقق إلا إذا أصلحنا أنفسنا وسلكنا بها سبيل الصالحين.. وفطمناها عن المعاصى والذنوب وأخلصنا وجهتها لله رب العالمين.. "أصلح نفسك وادع غيرك"، كما كان يردد ذلك الإمام حسن الهضيبي على مسامع الإخوان.. فاستقرت حقيقة في نفوسهم وانطبعت واقعًا على سلوكهم.

 

في صوم رمضان تعلمنا أنَّ الله سبحانه لا يتقبل منا المظهر أو الجانب السلبي.. وكفى.. وكفى إنما القدر الذي يتقبله الله هو اجتناب كل ما حرَّم الله عزَّ وجل.. هو صيام الخواص أو صيام الصالحين كما بيَّنا في موضعٍ سابق.. وهو الصيام الذي تشارك فيه كل الجوارح من سمع وبصر وقلب وغير ذلك.. إذ الصوم المطلوب ليس مجرد الإمساك عن الطعام والشراب والسهوة.. إنما هو الإمساك عن كل ما ينافى الإيمان ولا يتفق وفضيلة التقوى والمراقبة.

 

وها نحن الآن قد وصلنا الثلث الأخير من شهر الصوم.. وهذه الأيام العشرة الأخيرة.. تستسلزم أن يشمرِّ لها المسلم عن ساعد الجد.. يقيم الليل.. ويشد المئزر ويوقظ أهله كما كان يفعل الرسول- صلى الله عليه وسلم-.. ويجتهد في العبادة ويخلص لله الدعاء.. ويلح في هذا الدعاء لنصرة الإسلام.. وكشف الغمة عمَّا نزل بالأمة.. ويعود المسلمون إلى ربهم عودًا حميدًا.. يقيمون أمره ويحكمون شريعته ويلتزمون منهجه.. ويلتزمون أخلاقه.

 

وطبيعي كما نفهم من منهج الإسلام.. لا بد أن يقترن الدعاء بالعمل الصالح.. الذي من شأنه أن تتغير النفس والقلب إلى الأحسن، والأفضل إذْ لا بد أن نهجر ما نهى الله عنه من الذنوب والمعاصي.. والسلبية والاتكالية، وأن يكون لنا دورٌ بناء في الإصلاح الفردي والجماعي.. بل وللأمة جميعها.. فهناك قانون رباني ثابت لا يتخلف ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11)؛ إذن لا بد من العمل والمشاركة الجادة في تغيير الواقع المؤلم الذي تتردى فيه الأمة.. وتنهار فيه جميع أوضاعها.. بداية كل فلاح وإصلاح.. أن نُعطي حق الله تعالى.. في العبادة الخالصة والطاعة المطلقة والانقياد للمنهج.. وأن نتزود بالزاد الإيماني والمدد الرباني.. ونرمي بأنفسنا في بحر الفيوضات الغامرة.. ويتحقق ذلك كله وأكثر منه بإذن الله إذا عقدنا النيه وعزمنا العزمة الأكيدة أن نجتهد أكثر وأكثر في هذه الأيام العشرة الأخيرة من رمضان بقيام ليله وصيام نهاره.. ودوام الذكر والحمد والاستغفار والتضرع والابتهال.. ومصاحبة القرآن تدارسًا وتدبرًا وحفظًا وتلاوةً.. وأن نبتعد عما يخدش الصيام.. من المفطرات الحسية والمعنوية..

 

كل ذلك يجب أن يؤدى بصورة أكثر جديةً واجتهادًا وأكثر إقبالاً ونشاطًا.. عسانا أن نجبر ما وقع منا من بعض التقصير في العشرين يومًا الأولى.

 

وكيف.. كيف لنا أن نصل إلى هذه المرتبة؟؟ كيف نصل إلى هذا المستوى من العبادة؟ نقول.. إن رسولنا صلى الله عليه وسلم قد فتح لنا باب "الاعتكاف"، فاعتكف- صلى الله عليه وسلم- في المسجد.. يُقيم فيه إقامة دائمة.. ولا يخرج إلا لضرورة.. يعتزل الحياة ومشاغلها واهتماماتها ومشاكلها.. ويعطي الوقت كله خالصًا لله، ويرك