يقول الحق تبارك وتعالى في سورة الرعد ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)﴾ (الرعد) يقول أهل التربية والتزكية إنه ما من شيء إلا وله حد ينتهي إليه إلا (الذكر) فليس له حدٌّ، كما أن الله سبحانه لا يرضَى منه بالقليل، تقول الآية الكريمة في خطابٍ عامٍّ لجموع المؤمنين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (42)﴾ (الأحزاب) ومن نعم الله على عباده أن جعل آفاق الذكر رحبةً ومظاهر إنجازه متعددة.

 

(الاستغفار)

ذكرٌ بل هو أحد أعلى درجات الذكر، فهذا الإحساس الصادق النقي بالإقبال نحو طلب (المغفرة) من الغفور الرحيم، الذي يعلم خائنه الأعين وما تُخفي الصدور، هو إحساسُ من يعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه هو فإن الله يراه، ويطلع على خطيئته ومعصيته فيسارع إلى سؤال المغفرة من (ربٍّ غفورٍ) فيزداد إيمانًا مع إيمان وطمأنينةً تحقق له (سلامًا مع نفسه) فيتخلَّص من عقدة الإحساس بالذنب، التي قد تُلاحق ضميرَه وخاطرَه، فتعيقه وتحبطه، فيطمئن إلى رحمة الله وعفوه وغفرانه، ويبدأ من جديد في السير ملتزمًا على عهد الله ما استطاع.

 

وقد يعاود الذنب ويعاود الاستغفار حتى تطهر نفسه وتتزكَّى، ويقول أهل التربية إن (الاستغفار حِصنٌ من البلاء) ويستشهدون بالآية الكريمة ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)﴾ (الأنفال) ويقول الرسول الكريم "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب" ونعي جيدًا مقصدَ الرسول الكريم من كلمه "لزم" بمعنى أن يكون الاستغفار جزءًا من يومه الذي تشرق عليه فيه شمس يوم جديد.

 

(الشكر)

أيضًا بدوره أحد أهم تجليات الذكر والإحساس اليقيني بربوبية المنعم عز وجل، ونذكر من الدعاء "اللهم ما بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر" واعتبر القرآن أن الإقرار والشهادة بفضل الله والتعبير بالألفاظ عن ذلك هو أداءٌ لحقِّ الله سبحانه المولى القدير، ودليلٌ قويٌّ على عدم الغفلة والنسيان.. يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (152)﴾ (البقرة) ثم تكون الدلائل على صدق الشكر ونقاء سريرته من خلال العمل في مدارات الطاعة وأفعال الخير.. ﴿فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74)﴾ (الأعراف) ولنتذكر أن الشيطان توعَّد ذريةَ آدم عليه السلام بأن يلهيهم عن شكر الله عزوجل ﴿وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)﴾ (الأعراف).

 

(التفكر)

ذكر.. نقرأ الآية الكريمة في سورة آل عمران ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾ (آل عمران) فكل ما في الوجود في حقيقة الأمر ما هو إلا أثرٌ وتجلٍّ لقدرته سبحانه المطلقة في الخلق والإبداع، وها هي الآية الكريمة تربط بوضوح بين الذكر والتفكر فيما خلق الله وما صنع من شيء.. إعمال العقل إذن تفكيرًا وبحثًا ومعرفةً هو ذكرٌ لمن أراد أن يذكر أو أراد أن يكون شَكورًا.

 

وهو أحد جوانب الفهم لمعنى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)﴾ (الأنبياء) فالمسلم دائم الذكر لله عز وجل، متفتح الوعي والمدارك لاستقبال المعاني والإشارات ودلائل القدرة المطلقة للخالق المدبِّر، الذي أحسن كل شيء خلَقَه.

 

الذكر إذن هو الذي يزوِّد النفس باليقظة والإحساس المرهف، ويهيئها لاستقبال رحمة الله التي وسعت كل شيء، فيرتقي في مدارج الخير والطاعة والكمال ويزداد سلامًا وتوافقًا وتصالحًا مع نفسه ومع من يعيش بينهم، ويزداد قربًا من خالقه وبارئه، الذي له ملكوت كل شيء، وخلق كل شيء، ويعلم كل شيء، ويقدر على كل شيء، وإليه يرجع الأمر كله.

 

أما من أعرض عن ذكر الله فسيكون حاله معقَّدًا مضطربًا خاليًا من الراحة والطمأنينة والأمل والمعنى والقيمة ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى (126)﴾ (طه).. جديرٌ بأهل الدعوة إلى الله عز وجل أن يكونوا من الذاكرين كثيرًا.. بل هم أجدر الناس بذلك.

 

ونقرأ للأستاذ البنا في رسالة (المناجاة) الكثير من المعاني والمظاهر وأشكال الذكر المتعددة التي تحلِّق بالأخ في رحاب الربانية التي تؤهِّله لأن يكون عبدًا ربانيًّا يعلم الناس ويدعو الناس ويبشر الناس بصلاح دنياهم وأخراهم.