يقول الحق تبارك وتعالى في سورة التوبة ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)﴾ وفي سورة الأحزاب: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)﴾ (الأحزاب).

 

وكان صلى الله عليه وسلم كما وصفته الصديقة بنت الصديق "كان خلقه القرآن" وقال صلى الله عليه وسلم "أقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحسنكم أخلاقًا، الموطَّأون أكنافًا الذين يألفون ويألفون" وقال: "أثقل ما يوضع في ميزان المسلم يوم القيامة حسن الخلق" وقال "أدبني ربي فأحسن تأديبي" فهو- صلى الله عليه وسلم- المقصود بالتأديب والتهذيب أولاً، ثم منه يشرق نور الأخلاق على كافة الخلق كما يقول أهل التربية.

 

فلننظر إلى مَن "كان خلقه القرآن" ومَن بُعث ليتممَ مكارم الأخلاق، وإلى من أدَّبه ربُّ العالمين، وإلى مَن صلى اللهُ عليه وملائكتُه ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56)﴾ (الأحزاب).

 

كان- صلى الله عليه وسلم- أحسن الناس خلقًا، فكان أحلمَ الناس، وأشجعَ الناس، وأعدلَ الناس، وأعفَّ الناس، وأسخى الناس، وأشدَّهم حياءً، لا يثبت بصرُه في وجه أحد قط، وكان أصبرَ الناس على الناس، كان كلامه مبينًا فصيحًا حلوًا، يفهمه كل من سمعه، صغيرًا أم كبيرًا، جاهلاً أم عالمًا، وكان أبغض خُلُقٍ إليه الكذب، وكان يعرض عن من يكذب حتى يتوب، وكان أحبَّ العمل إليه ما داوم صاحبُه عليه واستمرَّ، وكان أخفَّ الناس صلاةً حين يؤم الناس، وأطولَ الناس صلاةً لنفسه.

 

كان- صلى الله عليه وسلم- إذا أتاه الأمرُ يسرُّهُ قال: "الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات" وإذا أتاه الأمر يكرهه قال: "الحمد لله على كل حال" وإذا أصابته شدَّةٌ يدعو برفع يديه حتى يُرى بياض إبطيه، وإذا أصابه غمٌّ قال: "حسبي الرب من العباد، حسبي الخالق من المخلوق، حسبي الرازق من المرزوق، حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الله لا إله إلا هو، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم" وإذا نام وضع يده تحت خده وقال "باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت روحي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين"، وإذا خرج من منزله قال: "اللهم إني أعوذ بك من أَظلم أو أُظلم أو أَضل أو أُضل أو أَجهل أو يُجهل عليَّ" وكان داخل بيته وسط أسرته من أَليَنِ الناس وأكرم الناس، ضحَّاكًا بسَّامًا، يسوِّي ثوبَه، ويمسح حذاءه، ويخدم نفسه، ويشتري الشيء من السوق، ولا يمنعه الحياء أن يعلقَه بيده، وكان يحب العطر ويكثر منه، ولا يقدم على أهله من سفر حتى يُعلمَهم قبل مجيئه.

 

وكان- صلى الله عليه وسلم- إذا بعث أحدًا من أصحابه في مهمة دعوية قال "بشِّروا ولا تنفِّروا، يسِّروا ولا تعسِّروا" وإذا بلغه عن أحد كلامٌ سيئ يُعرِّض ولا يحدِّد اسمًا أو موقفًا، وكان إذا تكلَّم بكلمة أعادها حتى تُفهم منه، وإذا ضحك وضع يده على فمه، وإذا عطس وضع يده أو منديله على فمه ليخفض صوته، وإذا غضب غيَّر وضعه، وإذا نظر إلى السماء قال: "اللهم يا مقلب القلوب ثبِّت قلبي على طاعتك" وإذا شهد جنازةً أكثر الصمت وأطال الحديث مع نفسه.

 

كان- صلى الله عليه وسلم- إذا عمل عملاً أحكمه وأنهاه على خير ما يرام، وكان إذا غاب عنه أحد من أصحابه ثلاثة أيام يَسأل عن سبب غيابه ويتفقَّده، وإذا قدم عليه زُوَّار من خارج المدينة يلبس أحسن ثيابه ويأمر مستشاريه وأصحابه بذلك، وكان أشد الناس تواضعًا وأسكنَهم في غير كبر، وأبلغهم في غير تطويل.

 

وكان إذا لقي أحدًا من أصحابه بدأه بالمصافحة، ثم أخذ بيده فشابكه وشدَّ يده عليه، وإذا أحب أن يمشيَ معه لا ينصرف عنه، وإذا أسرَّ إليه أحدٌ من أصحابه حديثًا مال نحوَه بأذُنه فلا يرفعها حتى ينتهيَ الرجلُ من حديثه، وكان لا يقبل قولَ أحدٍ على أحد، ولا يواجه أحدًا في وجهه بشيء يكرهه، وكان يتفاءل ولا يحدِّث حديثًا إلا تبسَّم.. كان جميل المعشر، طليق الوجه، شديدًا في غير عنف، متواضعًا في غير مذلة، جوادًا من غير سرف، رقيق القلب، يكرم أهل الفضل لفضلهم، ويتألَّف أهل الشرف، لا يجفو على أحد، ويقبل معذرة المعتذر، لم يبثّ إلى أحد شكوى قط.

 

وكان يأتي البسطاء فيزورهم ويعودهم ويقضي حوائجهم، يجالس الفقير، ويمشي مع الأرملة والمسكين، وإذا مرَّ بالصبيان يلعبون وقف يحادثهم ويلاطفهم.

 

وكان- صلى الله عليه وسلم- يُكثر من الذكر ويوصي بعد الصلاة المكتوبة بقول: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" ويدعو "اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء وشماتة الأعداء وعضال الداء وخيبة الرجاء" وكان شديد الخوف والرهبة من الله، إذا مرَّ بآية رحمة سأل الله أن يرحمَه، وإذا مرَّ بآية خوف تعوَّذ، وإذا مرَّ بآية تسبيح سبَّح، ولا يدَع قيام الليل أبدًا، وإذا كسل يصلي قاعدًا بقدر ما يستطيع، ويقول "أفلا أكون عبدًا شكورًا"، كان صلى الله عليه وسلم أرأف الناس بالناس وخير الناس للناس وأنفع الناس للناس.

 

هذه لمحات سريعةٌ من أخلاق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قدوتنا وزعيمنا، كما نقول في هتافاتنا وشعارتنا.

 

ولا خير فينا لأنفسنا وللناس إن لم تكن أخلاقُنا قبسًا من هذا النور، ولن نكون عباد الله إخوانًا كما نتمنَّى إن لم تكن أخلاقُنا على هدى من هذا الهدي، ولن نكون من عباد الرحمن الذين يسيرون بين الناس، يأخذون بأيديهم إلى رضوان الله في الدنيا والآخرة إن لم تكن أخلاقنا على مثل ذلك؟!