أكدت مجلة "فورين أفيرز" أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هو المستفيد الأول من محاولة الانقلاب الفاشلة، وأنه سوف يستفيد منه في توطيد دعائم حكمه، بعدما شاهد الأتراك عشرات أو مئات الأبرياء منهم يموتون بسبب الانقلاب.

وقالت المجلة - في تقرير نشرته الأحد - إنه "من الآن فصاعدًا، سوف يكون أردوغان ليس فقط الرئيس الذي نجا بنجاح من محاولة للإطاحة به، وإنما الشخص الذي ظل يحذر شعبه من انقلابات مقبلة ويدعوهم للتصدي لها، وتحققت نبوءته؛ ما يجعل الأتراك يتمسكون به، ويعطونه الحق في تطهير الجيش وشنّ حرب على خصومه".

وتوقع التقرير أن يستفيد "أردوغان" من هذا، ويسعى لتمرير دستور جديد يكرّس النظام الرئاسي، ويقلّص دور الجيش ويسمح بهيمنة مدنية على الجيش لتبرير عدم انقلابه مرة أخرى، وفي ظل اعتراضات قليلة بعكس ما كان قبل الانقلاب الفاشل، مستندًا إلى إرادة الشعب، مشيرًا إلى أن عدم حكمة مدبري الانقلاب الذين تميزوا بعدم الكفاءة سمحت لـ"أردوغان" بإعادة تشكيل الدولة.

وقالت المجلة الأمريكية: إن "أردوغان يتجه لاستخدام أحداث نهاية الأسبوع الماضي كمبرر للحصول على ما يريد في الفترة المتبقية من حكمه السياسي"، بما في ذلك الدستور الجديد، وحملة لتطهير كل المعارضة، أو حتى المواجهة الوشيكة مع الولايات المتحدة، التي بدت غير متحمسة لمعارضة الانقلاب وتعارض مصالح تركيا في سوريا والعراق.

وأضافت أن الانقلاب الفاشل سيجعل "أردوغان" أكثر "استبدادًا"، بحسب بعض المراقبين، وأنه يسعى لغربلة وتطهير الدولة التركية، ولكن نجاح الانقلاب لن يكون بأي حال من الأحوال انتصارًا للديمقراطية، خاصةً أن الانقلابات لا تحظى بشعبية كبيرة، وتراها حتى المعارضة الليبرالية كارثيةً على التنمية السياسية على المدى الطويل في البلاد.

حرب أهلية

وأكدت المجلة أن الانقلاب لن يكون "إكسيرًا" سحريًّا للديمقراطية التركية، في أفضل سيناريو؛ لأنه ببساطة يؤدي إلى نهج أكثر استبدادًا، بل إنه قد يفتح الباب لحرب أهلية، ولذلك ندّدت أحزاب المعارضة في تركيا بالانقلاب بدلاً من اعتباره فرصةً للتخلص من "أردوغان" وحزب العدالة والتنمية.

وأشارت إلى أن "أردوغان" ظل دومًا يركز على قوته الشعبية في مواجهة القوى الأخرى، والتي حصل عليها بصناديق الانتخابات، وسعى لحشد أنصاره في عروض قوة شعبية رائعة؛ ما جعل من الصعب على الجيش مواصلة تحركاته التقليدية السابقة المتعلقة بالتدخل في السياسة التركية، مؤكدة أن التفكير في إسقاط "أردوغان" وحزب العدالة والتنمية، وهو زعيم له شعبية لم يسبق لها مثيل، وحزب حقق نجاحات كثيرة، صعّب من مهمة أي انقلاب مقبل.

وأوضحت المجلة أن هذا لا يعني أن فشل الانقلاب سيكون انتصارًا للديمقراطية، إذ إن مفاجأة يوم الجمعة بنزول الدبابات لشوارع إسطنبول، وقيام الطائرات الحربية بالتحليق على ارتفاع منخفض فوق أنقرة، وإعلان الاستيلاء على السلطة عبر التلفزيون الحكومي التركي، أظهر أن أسوأ مخاوف "أردوغان" قد تحققت، وأن ما كان يحذر منه حدث رغم تحفظه له.

واستعرض التقرير سلسلة الانقلابات السابقة، وامتعاض الجيش من حجاب زوجة الرئيس السابق "عبدالله جول" قبل ترشحه، ووصول إلى المرحلة التي صارت فيها زوجات الكثير من الوزراء محجبات، وسلطة الجيش في التدخل في السياسة أقل وأضعف، ما توقع معه مراقبون وقوع انقلابات.

الذراع الطويلة

ونوه بأن سلسلة المحاكمات والاعتقالات التي جرت على غرار أرغينيكون - التي اتهمت الحكومة بموجبها ضباطًا بالتخطيط لسلسلة من الانقلابات والهجمات لإسقاط النظام - كانت وراء الانقلاب الأخير، وتم العثور على أدلة عن مشاركة من جرت محاكمتهم سابقًا أو توجيه الاتهام لهم فيها. أكثر ما يغضب هؤلاء العسكريين هو تمجيد "أردوغان" وتعاظم قوته، وسيطرة أغلبيته على الحكم، وقوله إن الانتخابات منحته السلطة المطلقة وتسمح لحكومته أن تتخذ أي إجراءات ترغب فيها.

وذكرت المجلة أن "أردوغان" لم يشعر بالأمان من الذراع الطويلة للجيش، وكان يرى دائمًا أن الانقلاب القادم قاب قوسين أو أدنى، وصنف هذه المحاولات بأنها "مؤامرة"، سواء جاءت من الجيش، أو من حركة حليفه السابق "فتح الله كولن".