يشهد لبنان توترات أمنية متصاعدة منذ العدوان الصهيوني على لبنان بطائرتين مسيرتين على الضاحية الجنوبية، معقل حزب الله، فجر الأحد 25 أغسطس 2019م، وانفجار إحداهما، وتزامن العدوان مع استهداف الاحتلال مركزًا عسكريًّا تابعًا لحزب الله في بلدة عقربة جنوب العاصمة السورية دمشق؛ ما أودى بحياة عنصرين من الحزب، وفجر الإثنين التالي دوّت 3 انفجارات في مراكز عسكرية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (المدعومة من حزب الله) في منطقة قوسايا بقضاء زحلة في سلسلة جبال لبنان الشرقية.
وعلى الرغم من المخاوف من نشوب حرب مفتوحة فإن الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله توعد بالرد على الجمات الصهيونية وأوكل مهمة ذلك إلى القادة الميدانيين للحزب، وعند الساعة الرابعة و15 دقيقة من بعد ظهر الأحد غرة سبتمبر 2019م، بدأت تطورات التصعيد العسكري بقصف إحدى القواعد العسكرية الصهيونية، وأسفر عن تدمير آلية عسكرية صهيونية، وتباهى بيان للحزب بهذه الضربة، لكن مدفعية الاحتلال ردت على العملية التي نفذها حزب الله بإطلاق عدد محدود من القذائف على المناطق المحيطة بمواقعها العسكرية داخل مزارع شبعا اللبنانية المحتلة.
وقالت مصادر من جيش الاحتلال: إن الصواريخ التي أطلقها حزب الله هي قذائف "كورنيت" الفعالة جدًّا ضد المدرعات، وأضافت المصادر أن هذه الصواريخ استهدفت آليات متحركة وقاعدة عسكرية قرب مغتصبة "أفيفيم" المتاخمة للقطاع الأوسط من الحدود مع لبنان، وقال المتحدث باسم الجيش الصهيوني للإعلام العربي "أفيخاي أدرعي" - في بيان - إنه لا توجد إصابات جرّاء العملية التي نفذها حزب الله على الحدود اللبنانية عبر إطلاق صاروخين أو ثلاثة.
وأضاف أن القوات الصهيونية ردت باستهداف الخلية التي أطلقت الصواريخ المضادة للدروع، إضافة إلى إطلاق نحو 100 قذيفة مدفعية باتجاه مصادر النيران جنوبي لبنان.
ونفى رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو - خلال مؤتمر صحفي في القدس المحتلة - وقوع أي إصابات في القصف الذي نفذه حزب الله، مؤكدًا أن حكومته ستقرر الخطوات المستقبلية بشأن الوضع على الحدود اللبنانية "بناء على تطورات الموقف".
وعلى الرغم من هذا الوضع المشتعل فإن الهدوء ساد الأجواء على الحدود بين لبنان والأراضي المحتلة، وكأن كل طرف رضي بما تحقق من نتائج في هذه الجولة، وكلاهما حريص على عدم توسيع المواجهة إلى حرب مفتوحة كما جرى في 2006م.
لماذا صمم حزب الله على الرد؟
تعود أسباب إصرار حزب الله على الرد على العدوان الصهيوني إلى حرص الحزب على حماية حالة الردع التي أسسها منذ حرب 2006م، ضد الاحتلال الصهيوني، فعلى الرغم من الخسائر الكبيرة التي تكبّدتها لبنان فإنها أيضًا شكلت فشلاً لجيش الاحتلال الصهيوني لعدة أسباب؛ منها: عدم تحقيق أهداف الحرب بتدمير الحزب أو تسبب الخسائر الكبيرة في المدرعات وقصف المناطق المدنية في شمال الأراضي الفلسطينية المحتلة التي يسكنها حاليًّا صهاينة.
فمنذ الحرب الصهيونية المشئومة على لبنان في عام 2006، التي لقي خلالها 120 جنديًّا صهيونيًّا حتفهم إلى جانب مئات المدنيين (نحو ألف قتيل)، كما لقي 270 من مقاتلي حزب الله مصرعهم، فضلاً عن 50 جنديًا وشرطيا من لبنان، اتفق الطرفان بشكل غير رسمي على عدم التصعيد وعدم تجديد الصراع الشامل ومنع نشوب حرب مفتوحة.
تغيير المعادلة
فلماذا إذا غير الاحتلال الصهيوني سياسته السابقة وشنَّ عدوانًا على حزب الله ومواقع أخرى تقع ضمن المحور الإيراني في سورية والعراق ولبنان؟
تفسير ذلك، يعود إلى مخاوف الاحتلال الصهيوني من تزايد النفوذ الإيراني في المنطقة، ولذلك تعمل حكومة الاحتلال على تغيير المعادلة من أجل وقف التمدد الإيراني، ولذلك شنَّت هجومًا أوسع نطاقًا من عمليات سابقة، كما أن العدوان الصهيوني الأخير يأتي في سياق محاولات إظهار القوة من جانب رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، والذي يتهمه خصومه بالضعف أمام حركات المقاومة، مثل حركة حماس في غزة وحزب الله في لبنان، ومع اقتراب انتخابات الكنيست منتصف سبتمبر الجاري يسعى نتنياهو إلى تحقيق مكاسب سريعة خاطفة دون الدخول في مواجهة واسعة مفتوحة، ربما تلحق به أضرارًا واسعةً قبل الانتخابات التي يسعى نتنياهو للفوز بها بكل الوسائل والطرق.
عزز من توجهات حكومة الاحتلال توجيه ضربة لحزب الله التوجه العدائي للإدارة الأمريكية برئاسة ترامب لإيران وحلفائها في المنطقة، وهو توجه أخلَّ بموازين التفاهمات غير الرسمية بين واشنطن وطهران؛ لتجنيب بلدان - مثل العراق ولبنان - حروبًا بالوكالة بين الطرفين المتصارعين.
المواجهة بين الاحتلال وحزب الله هي بلا شك انعكاس لحالة المواجهة بين أمريكا وإيران في إطار الصراع الإقليمي المشتعل، لكن البيت الأبيض حريص على عدم إشعال مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران؛ لأسباب تتعلق بقرب الانتخابات الأمريكية في 2020، ومخاوف ترامب من أن تفضي هذه المواجهة إلى خسائر أمريكية كبيرة تؤدي إلى خسارة الانتخابات، وكذلك الخوف من أن تتحول إلى حرب استنزاف للإمبراطورية الأمريكية تؤدي إلى تفككها وسقوطها على غرار الحرب الأفغانية التي أسهمت في تفكك الإمبراطورية السوفيتية، خصوصًا في ظل يقين واشنطن أن خصومها في الصين وروسيا وغيرهما من البلدان على استعداد مطلق لدعم إيران في حال نشوب حرب طويلة الأمد يمكن أن تستنزف الولايات المتحدة الأمريكية.
ولعل هذه الحسابات هي التي تنعكس على طبيعة الصراع بين الاحتلال من جهة وأذرع إيران في المنطقة مثل حزب الله وجماعة أنصار الله الحوثي أو الحركات المتعاطفة مع طهران مثل حماس والجهاد الإسلامي لأسباب تتعلق بدعم إيران لقوى المقاومة الفلسطينية، في ظل تخاذل الأنظمة العربية، إضافة إلى مخاوف أخرى تتعلق بهشاشة الوضع الأمني في الكيان الصهيوني أمام صواريخ المقاومة اللبنانية وقدراتها التي يمكن أن تصل إلى أعماق الأراضي المحتلة وتوقع بالاحتلال خسائر لا يقوى على تحملها.
خلاصة الأمر، أن الاحتلال الصهيوني يريد تقليم أظافر إيران في المنطقة، ويسعى حزب الله إلى حماية حالة الردع التي تحققت منذ حرب 2006، وكلاهما - رغم ذلك - لا يريد توسيع دائرة المواجهة إلى صراع مفتوح وحرب واسعة.
وبقيت نقطة أخيرة تتعلق بطبيعة الوعي العربي تجاه هذا الصراع الإقليمي المشتعل؛ حيث يتعين التفريق بين الدور الشائن الذي يقوم به حزب الله في دعم نظام الطاغية بشار الأسد وبين دوره في مقاومة الاحتلال، في الموقف الأول ندينه وننقده وفي الثاني نؤيده، وخلاف ذلك هو تدليس يراد به خلط الأوراق وتضليل الأمة وإفساد الوعي، وهو ما يجب التصدي له.