من الثمرات المباركة التي يجنيها الربانيون من دوام السعي إلى تزكية النفس ثمرة (الإخلاص).. وهي الصفة الألزم دائمًا لمن يرجو الله واليوم الآخر، ذلك أنه سبحانه وتعالى أجلُّ وأعلى وأعظم من أن يُشرَكَ به، بأي شكل كان هذا الشرك، وبأي درجة كان هذا الشرك، ومن الأوراد الراتبة التي جمعها الأستاذ البنا- رحمه الله- لجموع الإخوان في (المأثورات) دعاء "اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئًا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه"، وهو دعاء بصيغة الجمع، رغم أن باقي الأدعية في المأثورات بصيغه مفردة، عسى أن تعم الإجابة الجميع فيملأ الإخلاص القلوب.

 

إذ إن حركة المسلم في الحياة اليومية مليئة بحظوظ النفس وميولها واستهوائها، وهناك شيطان يئس أن يُعبَد بيننا ورضي بألوان الانحراف ليزيغ.. يقول بعض الصالحين: "إن من سَلِم له من عمره لحظة واحدة خالصة لوجه الله نجا"؛ وذلك لأن هناك صعوبةً ما في تنقية القلب مما يشوبُه في مسار الإخلاص.

 

لذلك فإن الدعاء اليومي وسؤال الله (القلب السليم) من أهم عوامل التزكية التي تملأ القلب إخلاصًا ونقاءً.. فماذا علينا لو التزمنا ما استطعنا إضافةً لدعاء المأثورات بدعاء "اللهم طهر قلبي من النفاق وعملي من الرياء.. آمين".

 

سئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن صفات المؤمن وعما إذا كان من الممكن أن يكون بخيلاً أو جبانًا.. فأجاب صلى الله عليه وسلم بأنه قد يكون المؤمن جبانًا أو بخيلاً- مع نكران هذه الصفات- ثم سئل صلى الله عليه وسلم: أيكون المؤمن كذابًا..؟! قال: لا.. لا يكون كذابًا.. لا يمكن فعلاً للمؤمن التقي النقي إلا أن يكون (صادقًا).

 

يرى الصالحون أن هناك ثلاث خصال إذا سلمت سلِمَ معها صاحبها: الإسلام الخالص من البدع والأهواء، طيب المطعم، الصدق، وقالوا إن أصل هذا الأمر ثلاثة: الصدق والسخاء والشجاعة، وزادوا عليها: التُّقَى والحياء وطيب الغذاء، أي سلامته من الحرام والعياذ بالله.

 

والصدق له ستة معانٍ: صدق نية، وعزم، ووفاء، وقول، وعمل، وصدق في تحقيق مقامات الدين، أشهرها وأظهرها صدق القول، وكل ما يتعلق به من أخبار يتم تناقلها وحكيُها، والتزام بوعد، وكلمةٌ قطعها الإنسان على نفسه.

 

ونحن في مجال حركتنا في تعاملنا بيننا وبين بعضنا البعض وبيننا وبين المجتمع مع الناس لا يمكن إلا أن نكون صادقين، فلا يُعقل ولا يُقبل من (الأخ) أن ينطق بغير الصدق، والمسألة ليست معضلةً في تحرِّيها وتحقُّقها، ويقولون إن أكثر ما يؤذي الإنسان في مروءته أن يكون كذابًا، فكيف بصاحب الدعوة أن يسير بين الناس وهو مثلوم المروءة؟! فمع المجاهدة والحرص على القول الصادق ندعو دومًا بدعاء "اللهم طهِّر لساني من الكذب واللغو"، ورحم الله من جعل عقله على لسانه رقيبًا.

 

وفي السعي لاستكمال درجات الصدق ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)﴾ (العنكبوت) مجاهدة يُرجى من الدوام عليها أن يستكمل المسلم درجاتِ الصدق ومعانيه فيكون عند الله من (الصدِّيقين).

 

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "كنا ندَع تسعة أعشار الحلال مخافةَ أن نقع في الحرام" كان هذا عمر الفاروق رضي الله عنه ورحِمَه.. والحديث يعكس مقدار ما كان في نفسه من "ورع".. تلك الصفة تتنزَّه بها نفسُ العابدين عن كل ما يريب.

 

الورع الذي يسلك بصاحبه مسالك التحري والتنزُّه من الصفات التي تلازم العبد الرباني في سكناته وحركاته، في عباداته ومعاملاته، في سكوته ونطقه، ولعل هذا الخلق من أكثر الأخلاق التي يجب على (الأخ) أن يتخلَّق بها، ذلك أن لغَط الدنيا زادَ وكثُرَ، واختلطت الأشياء ببعضها، ولعاعات الدنيا تراوح النفس التي تريد وتشتهي، فإذا كان رصيد الأخ من هذا الخلق قليلاً- لا قدر الله- أصبحت الدنيا مبلغَ علمه وأكبر همِّه، وهو الأمر الخطير على صاحب الدعوة.. يقول الصالحون: إن المباحات كلها إذا لم تؤخَذ بقدر الحاجة في وقت الحاجة قلَّما تخلُو عاقبتُها من الخطر، ويرى أهل الصلاح أن كثرة إشباع الشهوات من المباح قد يجعل النفس تسترسل إلى غير المباح.

 

لنتأمل حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا يبلغ العبد درجه المتقين حتى يدعَ ما لا بأس به مخافة ما به بأس".. فرحم الله من جعل عمله على قوله حسيبًا.

 

هذا ما ينبغي أن تكون عليه شخصيه (الأخ) فكرًا وسلوكًا.. قولاً وعملاً.. ولنتذكر دائمًا أن حالَ رجل في ألف رجل خيرٌ من قول ألف رجل في رجل، فالمسألة ليست نطقًا بالكلام، ولكنه واقعٌ تتجسَّد فيه الأفعالُ سلوكًا حميدًا ينطق في صمت عن حال صاحبه.
---------
* عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين.