د. عبد الله فرج الله

 

بقلم: د. عبد الله فرج الله

يحلُّ بنا بعد أيام قلائل شهر عظيم مبارك، فرض الله تعالى صيامه، وسنَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الجماعة في قيام ليله، والطاعات كلها فيه سهلةٌ ميسَّرةٌ، والمعاصي كلها فيه صعبةٌ معسَّرةٌ، لما فيه من الخصوصيات صيامًا وغيره.. فهلا اغتنمتم- أحبتنا في الله- الفرصة في ليله ونهاره، بالإقبال على الواجبات والمندوبات بعد الإدبار عن المحرمات والمكروهات، والتقليل من حيِّز المباحات إلا ما استلزمته الطاعات، كنوم ضرورة وحاجة، ولهو مباح لطرد الملل ومعاودة النشاط.

 

والخصوصيات تتوزع على ميدانَين هما:

الأول: خصوصيات الصيام بإطلاق.

الثاني: خصوصيات شهر رمضان.

الأول: خصوصيات الصيام بإطلاق.. وتتلخص خصوصياته في أمرين هما:
1- إخراج إرادة الصائم من دائرة تأثير النزغات الشيطانية والتي تتركَّز صولاتها وجولاتها في ميدان الشهوتَين الأعظم (البطن والفرج)، ولذلك وجَّه الرسول- صلى الله عليه وسلم- عناية الشباب العاجز عن الباءة في الزواج إلى الصيام؛ فإنه لهم وجاء وأغض لأبصارهم وأحصن لفروجهم، كما وجَّه عناية كل مسلم ومسلمة إلى تضييق مجاري الشيطان في نفس ابن آدم بالجوع والعطش "أي بالصيام" ونبَّه إلى أنه يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق.

 

2- إدخال إرادة الصائم في دائرة تأثير النزعات الملائكية لتشبهه قصدًا بخصالها، فهي مجردة عن كل الشهوات بالكلية، وطعامها وشرابها تسبيحٌ، وهي لا تتناكح، كما أنها لا تنام، يسبحون الليل والنهار لا يفترون.. إلخ.
نعم إن الصيام هو الوسيلة المتعينة لتفعيل النزعات الملائكية، وإبعاد تأثير النزغات الشيطانية؛ لأن الصيام ينصبُّ أصلاً على إغلاق منافذ الشهوتين عن الحلال قصدًا وعن الحرام والمكروه ضمنًا، فترة طويلة تمتد ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس، يفعل الصائم ذلك بلذةٍ وبطواعية وعن حبٍّ ورضًى؛ حفظًا لصومه ابتغاءَ مرضاةِ الله تعالى ورجاءَ مثوبته بلا حدود، وخوفًا من أن لا ينال من صيامه إلا الجوع والعطش.

 

بالإضافة إلى أن الإقبال على الطاعات لا يتهيَّأ إلا لمن نجح في الإقلاع عن المعاصي؛ ولذلك قال المربُّون: التخلية تسبق التحلية.

 

الثاني: خصوصيات شهر رمضان.. وهذه الخصوصيات كثيرة، أبرزها ما يلي:
1- إن صومه ركن من أركان الإسلام الخمس، يشترط فيه تبييت النية من الليل، من خَرَقَ حرمةَ الصيام فيه بلا عذر أوجب الله تعالى عليه التوبة النصوح، وألزَمه بدفع كفارة تبدأ بعتق رقبة، فتنتقل عن العجز إلى صيام شهرين متتابعين، فإن عجز فإطعام ستين مسكيناً، فضلاً عن أن صيامه للدهر كله- وإن صامه- لا يعدل صيام يوم أفطره في رمضان.

 

2- إنه شهر القرآن، ففيه نزل دفعةً واحدةً من اللوح المحفوظ إلى بيت العزَّة في السماء الدنيا، وفيه بدأ نزول أول آياته على قلب محمد- صلى الله عليه وسلم- وهو في غار حراء (آيات سورة العلق الخمس)، كما أن جبريل عليه السلام كان يتنزل في كل عام على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في رمضان يتدارَس معه القرآن، بل وفي العام الذي التحق فيه بالرفيق الأعلى نزل عليه مرتَين، ولا يخفَى أن حال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يكون مميزًا عند ذلك كما جاء في وصفه: "وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم

جوادًا وكان أجود من الريح المرسلة، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل بالقرآن".

 

3- إن فيه ليلة القدر، من حُرِمَ خيرها فقد حُرِم، هي خيرٌ من ألف شهر، من قامها إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه.

 

4- اقتضت حكمة الله تعالى أن يشرع فيه بدايات:

أ- رأس الأمر الإسلام؛ حيث كانت البعثة في رمضان وهو يتعبَّد صلى الله عليه وسلم  في غار حراء.

 

ب- عمود الإسلام وهي الصلاة بإطلاق قبل ليلة الإسراء والمعراج، فالتحقيق أن الصلاة شُرعت منذ البعثة قيامًا لليل وركعتين أول النهار وركعتين آخره.

 

جـ- الزكاة توأم الصلاة؛ حيث شرعت فيه في ا