بقلم: د. محمد عبد الرحمن

إن تحديدَ الباعث للدعوة والعمل للإسلام ووضوحه، يمثل المنطلق الأساسي لمَن يعمل في سبيل الله ويصبح كالروحِ تسري وتظهر في كل أقواله وأفعاله ومشاعره.

 

وهذا الباعث الحقيقي لنشأة الدعوة تمثل في الاعتقادِ الجازم بأن رضى الله سبحانه وتعالى وبراءة ذمتنا يوم العرض عليه، تُوجب علينا العملَ الجماعي لأداء تكاليف الشريعة عامةً ولإعلاء كلمة الله تبارك وتعالى خاصةً، وفق الفهم الصحيح للإسلام الذي عبَّرت عنه رسالة التعاليم عمومًا وركن القيم منها على وجه الخصوص.

 

ونبني على هذا الباعث أن تكون كافة ممارساتنا الجماعية نابعة من المنطلق التعبدي، وأن يكون العمل الاجتماعي وكذلك الجماعة ليست غايةً ولا وسيلةً ولكنها فريضة، وأن الحاجة إلى الجماعة تظل قائمةً ما دام التكليف الشرعي الباعث على نشأتها لم ينتفِ.

 

وكذلك أيضًا يكون منطلق خطابنا للناس وتوجهاتنا من منطلق مَن يرضى بالله ربًا وبالإسلام دينًا وسيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم نبيًّا ورسولاً.

 

إن الدعوة والكلمة والحركة، هي كالبناءِ الراسخ أو الشجرة الثابتة تستمد جذورها وأصولها من منطلق الإيمان والعبادة والحرص على رضى الله عزَّ وجل وابتغاء ثوابه وخوفًا من عقابه، ليس فقط كخاطر أو معنى جامد يمر عليه الإنسان، ولكنه الصبغة التي يصطبغ بها كيانه كله أفرادًا أو جماعات، في نفسه ومشاعره وحركته وفي خطابه الدعوي المتنوع سواء كان سياسيًّا أو اقتصاديًّا أو مجتمعيًّا... إلخ.

 

وليس هذا يمثل ضعفًا أو جمودًا في الخطاب الدعوي أو السياسي، وخاصةً أن النخب المثقفة تريد خطابًا من نبعٍ آخر، فكل هذه المزاعم لا تستقيم مع دعوتنا؛ لأنها دعوة ربانية إسلامية صميمة ولسنا دعوة أرضية محدودة الأهداف والمقاصد.

 

وهذه الصبغة وذلك المنطلق الإيماني التعبدي لا يقف حاجزًا دون تطور برامجنا السياسية والإصلاحية، بل هو يحضُّ عليه ويدعو إليه، لكنه في البداية والنهاية يصطبغ بهذه الصبغة الإيمانة والغاية الربانية، وبهذا تُدرك جيدًا معنى هتافنا الدائم "الله غايتنا"، ونريد من كل أفراد الأمة الإسلامية أن تتمسك به وتحرص عليه وتعمل له.

 

ولا يجوز للدعوة، وسط جماهير الشعب المسلم أن تتخلى عن هذه المبادئ الشاملة أو عن ربانية الراية وإسلامية الدعوة بحجة أنَّ هذا قد يُنفِّر بعض الناس منها أو يضع المزيدَ من العراقيل أمامها أو يضيع منها الكثير من المكاسب الزائلة.

 

كما أنه ليس لها أن تستبدل ذلك الوضوح والشمول بدعواتٍ إصلاحيةٍ جزئيةٍ أو شعاراتٍ أخرى ليس فيها التميز الإسلامي والرسالة الخالدة.

 

فشعوبنا الإسلامية حاجتها الأساسية هي إلى الإسلامِ بمفهومه الشامل وتطبيقه العملي الصحيح، والبناء إن لم يكن على هذا الأساس الكامل الشامل وتحت هذه الراية الربانية، فلن يكون مستقرًّا أو مستقيمًا على الصراط، وسيؤثر عليه هذا الخلط وتلك الشوائب في تكوينه إن عاجلاً أو آجلاً.

 

فدعوتنا ليست دعوةً أرضيةً أو مؤسسةً حزبيةً تحكمها المصالح الحزبية، لكنها تسير على هُدى دعوة الأنبياء وتحكمها ضوابط الإسلام.

 

وهكذا بدأ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- دعوته للإسلامِ، ولو أراد أن تكون بدايتها ومنطلقها دعوة أرضية مثل حقوق العبيد ضد الأسياد أو منطلقها العدالة الاقتصادية أو الحقوق السياسية والاجتماعية لوجد الكثير من الأنصار والأتباع، ولكنَّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بدأ دعوته وأسسها على قواعدِ الإيمانِ بالله، محققًا ربانية الدعوة وإسلامية الرسالة.

 

إنه لا بد للناس من راية الإسلام بمفهومه الصالح الكامل، حيث تُناديهم الدعوة وتدعوهم وتوضح لهم دينهم ورسالتهم، حتى وإن واجهت المعوقات وتعرَّضت للضغوط؛ فهذه هي طبيعة الطريق وضريبة الدعوة.