بقلم: إسماعيل حامد

أخي الحبيب.. لقد ربَّى القرآنُ الكريمُ وغرَسَ في نفوس المسلمين أهميةَ تفاعلهم مع الحدث أينما وقَع وحيثما كان، ففي العهد المكي والمسلمون مستضعفون نزل قول الحق تبارك وتعالى: ﴿الم (1) غُلِبَتْ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5)﴾ (الروم).

 

والقرآن لم يقف بالمسلمين عند حدود ذلك الحادث، وإنما جعل من هذه الحادثة مناسبةً تربويةً؛ لينطلق بهم إلى آفاق أبعد وأوسع من ذلك الحادث المحدود، وليربط بين سنة الله في نصر الحق على الباطل؛ ولذلك فإن المؤمن يدرك أن ما جرى من معارك في الآونة الأخيرة في فلسطين ولبنان قد أوضحَ بشكلٍ جليٍّ أن الأمة قادرةٌ على الثبات والصمود وصدِّ الهجمة وتعطيل المشروع الصهيوني، وستكون قادرةً- إن شاء الله- على ردِّ أي هجمة متى وأينما كانت.

 

وهذا الشعور يتولَّد لدى المؤمن من خلال حسن ثقته في الله وفي نصره الذي وعد به عبادَه المؤمنين، وهو نفس الشعور الذي انتاب سعد بن أبي وقاص يوم القادسية حينما جاءه من يقول له: لقد اشتدَّت المعركة!! فقال: وأنا أعلم أن الله على كل شيء قدير، بمثل هذه المعاني التربوية يبث الأمل في نفوس الناس وتزيد ثقتُهم في ربهم وعدالة قضيتهم التي يدافعون عنها أمام أعداء الأمة.

 

أخي الحبيب.. لقد تجلَّت أمام المسلمين خلال الهجمة الصهيونية الأمريكية الأخيرة على فلسطين ولبنان جملةُ حقائق، كلها تشير وتؤكد قوله تعالى: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (النور: من الآية 11)، نعم فقد ظهرت خلال المواجهة بعضُ أوجه الخير في هذه الأزمة، فقد وحَّدت المواجهةُ الأمةَ والشعوبَ العربيةَ والاسلاميةَ أمام عدوِّنا المشترك، سواءٌ كان في فلسطين أو لبنان أو العراق أو الشيشان، فتجسَّدت وحدةُ الصفِّ ونبذت الخلافات، وهذا ما يجب أن تكون عليه الأمة دائمًا، واستشعرت الأمةُ أهميةَ التزام قول رسول الله: "مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" وقوله:"المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يدٌ على من سواهم" ولعل من فضل الله علينا أن الله تكفَّل لنا في هذه الأحداث بكشف مكنون صدورِ المنافقين والمرجفين في المدينة، وجَعَل لنا هذه الأحداثَ شفاءً لصدور المؤمنين.

 

أخي الحبيب.. لقد جاءت المواجهة لتقوِّيَ لدى المسلم حسنَ الصلةِ بالله ودوامَ اللجوء إليه سبحانه وتعالى في كل حال، وقد ربَّانا أبو الدرداء- رضي الله عنه- على هذا المعنى بقوله: "يا أيها الناس، عملٌ صالحٌ قبل الغزو؛ فإنما تقاتلون بأعمالكم"، وحينما اشتدَّ مكْر الملك والإنجليز على الإخوان في مصر وحذَّروا الإمامَ البنا بذلك أجابهم "سنستعدي عليهم دعاءَ السَّحَر وسهامَ القدَر وكلَّ أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبرَّه"، والمسلم لا يحقرنَّ من عمله شيئًا مهما صغر، ولا يستهين بما يؤديه من أعمال وفعاليات أيًّا كانت، فقد تربَّينا في دعوتنا على قول حبيبنا: "لغَدوة في سبيل الله أو روحة خيرٌ من الدنيا وما فيها" فإن حركتنا الدعوية- ممثلةً في الوقفات والمؤتمرات والمسيرات وغير ذلك من وسائل إحياء روح التفاعل والمشاركة والإيجابية والجهاد في الأمة- كل ذلك نحن مطالَبون به أخذًا بالأسباب وسعيًا لرضا المولى تبارك وتعالى، وقوله- صلى الله عليه وسلم-: "ما اغبرَّت قدما عبدٍ في سبيل الله فتمسه النار"، فكان ذلك لزامًا علينا.

 

أخي الحبيب.. إن الساعات العصيبة التي مرَّت بها الأمةُ خلال الأحداث الماضية في فلسطين ولبنان تستوجب منا شدَّةَ إقبال على الله، وحُسنَ صلةٍ به، وحُسنَ استعدادٍ وتأهُّبٍ، وحُسنَ إدراكٍ لما يحاك بنا وأمتنا، وحُسنَ استفادة من الأحداث في توجيهها لإحياء روح العزة والكرامة في الأمة، وهذا يتطلَّب منا جميعًا أن نحيا حياةَ المجاهدين والمرابطين في سبيل الله من خلال السلوكيات التالية:

 

- مراجعة صفة الربانية ومدى تحققها في نفوسنا (استحضار الأجل والقبر والخاتمة- التوكل والإنابة- قيام الليل- صلاة الفجر- ورد القرآن- ورد الصيام.. ).

 

- الاستعداد التام لتلبية أي تكليف يُطلب منا "آخذ بعنان فرسه كلما سمع هيعة طار إليها" والاستعداد لتلبية كل نداء، والمبادرة بمعالجة الأمراض المعيقة عن هذه الجاهزية.

 

- تفعيل سلاح المقاطعة، والسعي إلى إنجاز مستهدفات جادة في ذلك، وتفعيل سلاح الدعاء، وتحقيق حملة تبرعات قوية.

 

- مراجعة سبل العيش التي نحياها (الاقتصاد في النفقات- حياة الخشونة- طريقة النوم- التخلص من الديون وشتى المتعلقات.. ) وجَعْل البيت يحيا حياةَ بيوت المجاهدين.

 

- تحفيز الناس على الاستعداد الروحي والبدني والفكري لمواجهة أعدائنا وتقديم العَون بكل صوره لمَن في المواجهة مع العدو "من مات ولم يغزُ ولم تحدثْه نفسه بغزو فقد مات ميتةً جاهليةً"، وتوعيتهم وبثّ روح الصمود واليقين والتحدي في نفوسهم.

والله غالبٌ على أمره، والله أكبر ولله الحمد.