بقلم: الدكتور عبد الحميد الغزالي
خلال أقل من سنة فقدت مصر بل فقدت الإنسانية ثلاثة "فرسان" من أخلص وأشرف وأنبل أبنائها وودَّعتهم بكل الحب وكل الحزن وفيض الدموع، وهي مسترجعةٌ وهي شامخةٌ وهي واثقةٌ بأنها "ولاَّدة" بأنها أمّ الرجال أمّ أصحاب المواقف أمّ إنسانية الإنسان في أروع صورها وأبدع أشكالها.
ثلاثتهم يجمعهم المفكر اليساري المصري ويحويهم حبهم الصادق لمصر ولأمتهم ولإنسانيتهم، ويجمعهم خندق المواقف الشجاعة المسئولة، دفاعًا عن الحق، ودفاعًا عن الشرعية، ودفاعًا عن إنسانية الإنسان، ودفاعًا عن الأمل في حياة أفضل لكل المصريين بل لكل إنسان.
اختلفوا في الأدوار واختلفوا في السنِّ واختلفوا في الشكل كما اختلفوا في ظروف النشأة وفي وقت الرحيل، ولكنهم تركونا ونحن في أمَسِّ الحاجة لاستمرار أدوراهم ولمواقفهم ولشجاعتهم، تركونا لأن هذا قدَرُ الله تعالى؛ ليؤكدوا أن معينَ مصر لا ينضب أبدًا من الرجال، وليشدِّدوا برحيلهم على أن الإنسان موقفٌ، وعلى أن المشاركة الجادَّة والمسئولة هي السبيل الوحيد للإنجاز، وهي الطريق القويم لتحقيق الحلم، وهي أداتنا الرئيسية للبناء، وهي وسيلتا الأساسية في اللحاق بركب التقدم، وهي في النهاية طوق النجاة من ثقافة فساد تكاد تفتك بنا وتغتال حلمنا ومن شراسة استبداد تئنُّ تحت وطأته الباطشة، وإني لعلى يقين بأن إخوةً لهم يقدَّرون بالمئات بل بالآلاف وراء القضبان- بسبب إصرراهم المسئول على تحقيق هذه الأهداف النبيلة والغايات المشروعة- لمحزونون أشدَّ الحزن على فراقهم وعازمون أشد العزم على مواصلة التضحيات في سبيل هذه الأهداف والغايات، وعلى رأس هؤلاء الدكاترة: رشاد البيومي، وعصام العريان، ومحمد مرسي، وحلمي الجزار، وأحمد سليم.
فبكل الحزن النبيل أودِّع هؤلاء الفرسان الثلاثة مسترجعًا، وبدمعة حب صادق أرثيهم مسترحمًا، وبفرحة حقيقية أنعيهم مستغفرًا، نعم.. فرحة دالة لي وللجميع أن مصر "ولاَّدة" للرجال الشرفاء لأصحاب المواقف، أحسبهم كذلك ولا أزكيهم على الله سبحانه وتعالى، فهذا فصيلٌ من عددٍ من فصائل مجتمعنا وقواه الحية، وهذا تيارٌ من تياراته الفكرية المعتبرة، أنجب هؤلاء وغيرهم ممن لا يزالون بيننا، يساهمون بالحب نفسه، وبالمسئولية نفسها، وبالصدق نفسه في حياتنا العامة، أمثال إسماعيل صبري عبد الله، وعبد الغفار شُكر، وإبراهيم سعد الدين وغيرهم ممن رحلوا عنا، بعد أن تركوا سيرةً عطرةً وأعمالاً مميزةً وبصماتٍ واضحةً، أمثال فؤاد مرسي، وشهدي عطية، وعبد الرزاق حسن.
ولست في حاجة إلى ذكر أسماء هؤلاء الفرسان للقارئ العزيز، فقطعًا قفزت أسماؤهم اللامعة إلى ذهنه؛ لأن أمثالهم لا يعتريهم النسيان، ولا يطويهم مرور الزمان، فهم في القلب بمواقفهم، وفي الذاكرة بشرفهم، وفي البال بصدقهم وإخلاصهم، هم أبطال لا دعاية عنترية، هم رجال بلا تكلف ممجوج، هم مواقف بلا ادِّعاء واضح، لم يجروا وراء مناصب لأنهم علموا يقينًا أن أشرف المناصب هي التخندق دفاعًا عن الحق، وأنبل المناصب هي العمل في حب مصر بصدق وصمت وتضحية، بلا جعجعة أو جلبة أو ضوضاء، لم يمتهنوا أنفسهم جريًّا وراء المادة، بل طلَّقوها تعففًا وعن عمد وسبق إصرار؛ حتى لا تلهيهم عن شرف الغاية ونبل المقصد وشرعية الوسيلة وعلوّ الهمة، وحتى لا تثنيهم عن بذل التضحية في سبيل ذلك.
إن هؤلاء الفرسان بترتيب المغادرة الزمنية لهذه الديار هم فارس الكلمة الكاتب الكبير الأستاذ محمد سيد أحمد، وفارس الحركة الطلابية تلميذي وزميلي في الاعتقال الدكتور أحمد عبد الله رزة، وفارس الحركة الوطنية المحامي القدير الأستاذ أحمد نبيل الهلالي.
عرفت هؤلاء الفرسان- عزيزي القارئ- فاحترمتهم، وقابلتهم في مناسبات وطنية وعربية وإنسانية فأحببتهم، وشاهدتهم عن قُرب على مستوى الفكر والسلوك فأكبرتهم، وكان بيننا احترام متبادل، وجمعنا ودٌّ صادقٌ، وأحاطنا حب حقيقي؛ لأننا عرفنا المشترك، وركزنا على الأساس، واهتممنا بالجوهر، رغم اختلاف الفكر، ورغم اختلاف المنهج، ورغم اختلاف الرؤى، ورغم اختلاف الوسائل؛ وذلك لسبب جوهري وواضح، يتمثل في حقيقة أن اهتمامنا وهمَّنا وشغلَنا الشاغل كان وما زال لمن بقي منا هو إنسانية الإنسان وكرامة الإنسان وحق الإنسان في حياة تليق به كإنسان، في هذا المشترك الكبير، ومن أجل هذا الهدف النبيل قابلتهم واستمتعنا فعلاً بمقابلتهم؛ ولذلك عزَّ عليَّ فراقهم، وحزنت فعلاً لفقدهم، ولا نملك إلا أن نقول كما علمنا رسولنا الكريم- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: "إنا لله وإنا إليه راجعون".
وليسمح لي القارئ العزيز أن أذكر لمحةً من التماس مع كل فرد من أفراد من أفراد هذه الثلاثية الإنسانية الرائعة والبديعة، فلقد التقيت كاتبَنا الكبير الأستاذ محمد سيد أحمد (ابن الباشا) مرات عديدة، أشير في عجالة إلى آخرها، والتي كانت في ندوة عن مستقبل الديمقراطية في مصر عام 2005؛ إذ قام الأستاذ ليشدِّد على أن المخرج من أزمتنا في شتى المجالات هو من خلال تحوُّل ديمقراطي حقيقي، ثم أعقب هذا التشديد بالقول- بأدبه المعهود والجمّ- إن هناك البعض الذي يتخوَّف من أن التيار الإسلامي- وتحديدًا الإخوان المسلمون- قد ينقلب هذا التحول بعد استخدامه له، على حد قول هذا البعض.
والتقطت الرسالة التي أراد الأستاذ بها حقيقةً أن يطمئن الحضور بل مصر جميعًا، بأن هذا التخوف لا أساس له من خلال ممثل الإخوان المسلمين في هذه الندوة، وهو كاتب هذه السطور أو هكذا أحسست، فقمت مشدِّدًا بدوري على أن المدخل لمعالجةٍ جادَّةٍ لكل مشكلاتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية هو- وهو فقط- إصلاح سياسي حقيقي من خلال تحول ديمقراطي فعليّ، وأن أحد ثوابت فكرنا وسلوكنا هو إقامة حياة ديمقراطية سليمة.
ثم استطردت قائلاً: ليطمئن الجميع بأن عقيدتنا التي تُعلي من إنسانية الإنسان لا يمكن أن يقبل معتنقوها بالديكتاتورية، وأن إسلامنا الذي يجسِّد الديمقراطية في أنقى وأحلى صورها لا يمكن أن يرضى المؤمنون به بالاستبداد، وأن جماعة الإخوان- وهي جماعة من المسلمين، والتي اكتوت بنيران الفردية وجَور احتكار السلطة- لا يمكن أن يكون أسلوبها هو تكرار اغتصاب هذه السلطة والانفراد بها الذي هو أُسُّ مشكلاتنا جميعًا، فرحم الله راحلَنا الكبير، الذي شكرته في هذه الندوة لإتاحته لي فرصة التوضيح لموقف يتعمد البعض أن يكون غامضًا وملتبسًا أو مغلوطًا.
ثم يأتي فارس الحركة الطلابية الدكتور أحمد عبد الله، الذي كان مثالاً للطالب النابه الذي لا يهتم فقط بدراسته بل أيضًا وبالدرجة نفسها بحياته الجامعية النشطة، وبقضايا وطنه وأمته، لقد زاملتُه أنا والصديق الدكتور نادر الفرجاني في الاعتصام الشهير بقاعة جمال عبد الناصر بجامعة القاهرة، والذي كان يضم نحو 1500 طالب وطالبة؛ احتجاجًا على عدم وفاء النظام بوعده في مقاومة المحتل الصهيوني لأرضنا في سيناء بسبب الضباب، وكان ذلك عام 1971م؛ ولذلك سمي ذلك العام سياسيًّا بعام الضباب، وكان منطق الحركة في ذلك الوقت- والتي تزعمها أحمد عبد الله- أن تماسك الجبهة الداخلية الذي يتحجج به النظام لوأْد المظاهرات الطلابية لا يعني بالقطع التماسك الحسي بالأيدي، ولكن يعني أن يهتم الشباب بقضايا بلاده، وإن كان النظام له حساباته بالنسبة لمجابهة العدو فنحن كطلاب ومجتمع الجامعة ككل لا نرغمه على الدخول في مغامرة غير محسوبة، ولكن في الوقت نفسه لنا الحق في أن يفتح النظام باب التطوع والتدريب أمام الشباب؛ لتفعيل المقاومة الشعبية للمحتل عبر سيناء.
وتم التفاوض على ذلك مع أعضاء مجلس الشعب، وتم الاتفاق على أن يذاع في نشرة الحادية عشرة مساءً، ولما لم يتم إذاعة الاتفاق تقرر استمرار الاعتصام، ومن ثمَّ دخلت جحافل قوات الأمن المركزي قبيل الفجر قاعة جمال عبدالناصر بالقوة وألقت القبض على المعتصمين ورحَّلتهم إلى "شلاق" أو "إسطبل" الأمن المركزي بالعباسية، ثم بعد تحقيقات سريعة للنيابة تقلَّص العدد النهائي إلى ثلاثين طالبًا وطالبة، منهم عضوا هيئة تدريس، هما الدكتور نادر وكاتب هذه السطور، حيث نقلوا إلى معهد أمناء الشرطة بطرة، ثم بعد ذلك تم ترحيلهم إلى سجن الاستئناف بباب الخلق، والطالبات منهن من رُحِّلن إلى سجن القناطر.
وهؤلاء الثلاثون هم الذين أطلق عليهم الرئيس الراحل "الثلاثين الوباء"، وكان على رأسهم أحمد عبد الله وثروت مكي وأحمد بهاء الدين شعبان وحسام سعد الدين وطه عبد العليم، ثم أُفرج عنا جميعًا بعد شهر ونصف من الاعتقال؛ نتيجة ضغط أساتذة الجامعة، وعلى رأسهم رئيس الجامعة في ذلك الوقت الأستاذ الدكتور حسن إسماعيل رحمه الله، والذي هدَّد بالاستقالة إذا لم يفرج عن المعتقلين، وكان أحمد عبد الله مثالاً لشباب مصر الواعد، رغم ضعف صحته وهزال بنيانه الجسدي، وظهر ذلك في رئاسته للجنة الوطنية للطلاب المشرفة على الاعتصام وتسييره الديمقراطي لهذه اللجنة واستشارته الدائمة في كل خطوة أساتذته المعتصمين ثم المعتقلين معنا.
وبعد خروجنا من سجن الاستئناف كان علينا أن نذهب فرادى لمقابلة مسئول مباحث أمن الدولة بالجيزة، وكان هذا المسئول هو اللواء أحمد راسخ في ذلك الوقت، وأذكر أن من ضمن ما قاله لي: كيف تكون من جماعة الإخوان المسلمين وتنضم في الاعتصام للطلاب اليساريين؟! وكان ردي الفوري أنني كعضو هيئة تدريس لا بد أن أشارك طلابي بغض النظر عن انتمائهم في مواقفهم الجادَّة، خاصةً إذا ارتبطت هذه المواقف بالوطن، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى جماعة الإخوان التي أَشرُف بالانتماء إلى فكرها دائمًا مع المواقف الجادة المرتبطة بمصلحة الوطن وقضاياه، ومقاومة المحتل الصهيوني قاسم مشترك يتعين أن يضم كافة القوى الوطنية في مجتمعنا كحقٍّ مشروع، ومن هنا اشتركتُ عن اقتناع مع الحركة الوطنية، وأزعم الآن أن هذه الحركة كان لها دورٌ محفّز في الإعداد لحرب أكتوبر، بل استخدمت- وما تلاها من اضطرابات طلابية- في حملة التمويه الذكية على العدو؛ مما كان له أثر في النصر الذي تحقق، فرحم الله أحمد عبد الله الذي لازمه نقاؤه وصدقه وحبه لوطنه وأمته وثوريته حتى آخر يوم في حياته.
أما فارس الحركة الوطنية والمحامي القدير عن المقهورين من كافة فئات الشعب وتياراته وانتماءاته فهو الأستاذ أحمد نبيل الهلالي (ابن الباشا) الذي تخلى قاصدًا متعمدًا عن كل ما ورثه من ثروة ليعيش من عرقه وكدّ يده، عاش هذا الفارس متبتلاً في محراب فكره؛ مطبقًا بالتزام شديد مبادئ هذا الفكر، منحازًا عن اقتناع نادر للفقراء، مدافعًا صلبًا عن كل المظلومين، وقف محاميًا فذًّا في سبيل إحقاق الحق وسيادة القانون واحترام الشرعية وحارب بلا هوادة في سبيل إقامة العدالة وحرية المواطن وصك بجانب مصطلح "ترزية القوانين" مصطلحًا أشد فتكًا بهذه الحرية وأشد انتهاكًا للعدالة وهو "ترزية القضايا".
دافع عن اقتناع عن كل المظلومين من كل التيارات، دافع عن الإخوان والناصريين والماركسيين والاشتراكيين الثوريين، ويعلم الجميع ما من قضية وطنية اتُّهم فيها أي تيار فكري إلا وكان نبيل الهلالي على رأس المتطوعين للدفاع، فالحق عنده واحد، والحرية لا تتجزأ، وكرامة المواطن صفة لصيقة بكل مصري، وإنسانية الإنسان غاية المجتمع البشري، وموقفه من هذه الإنسانية ثابت وواضح لا يتلون أو يتغير لغرض أو فكر أو تيار، وأذكر بعد أن خرجنا من اعتقال شتاء 1971م ذهبنا كوفد لمقابلته هو في نقابته نقابة المحامين لكي نشكو له هو الحالة المسيئة التي عليها السجون المصرية في غياب منظمات حقوق الإنسان في ذلك الوقت، وكأننا كشباب كنا نحس أنه منظمة كاملة متكاملة للدفاع عن حقوق الإنسان، وكان كعادته من أشد المتحمسين في تبني هذه القضية للتخفيف عن معاناة المسجونين.
وأخيرًا ما من ندوة أو مؤتمر أو حلقة نقاشية تُعقد لمناقشة قضايا الإصلاح والتغيير في وطننا أو مناصرة الشعب الفلسطيني أو مناهضة الاحتلال الأمريكي للعراق إلا وتجده في الصفوف الأولى.
كان أحمد نبيل الهلالي- كما قال أحد محبيه بحق- مصر، بأصالتها وتواضعها وشموخها وإنسانيتها تمشي على الأرض، فرحم الله هذا الفارس النبيل رحمةً واسعةً، وجزاه سبحانه وتعالى خير الجزاء عما قدمه للمواطن والوطن والأمة بل البشرية جمعاء.
وفي النهاية.. رحم الله تعالى هؤلاء الفرسان الثلاثة رحمةً واسعةً، وجزاهم الله خير الجزاء عن مواقفهم في سبيل مصر وفي سبيل الأمة العربية والإسلامية وفي سبيل الإنسانية كافة.. إنا لله وإنا إليه راجعون.