بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ (القصص).
قال ابن القيم: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إنما تُنال الإمامة في الدين بالصبر واليقين، ثم تلا قوله تعالى:﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24)﴾ (السجدة).
إخواني الأحباب.. كم أشعر بسعادة غامرة وفرحة طافرة وأنا أكتب إليكم هذه الكلمات، ودمعي يختلط بالمداد شوقًا إلى رؤيتكم، راجيًا من الله تعالى ألا يجمعَنا إلا على دعوته ونصرة دينه، مستشعرًا- بحق- قوله جلَّ ذكره: ﴿وأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(63)﴾ (الأنفال).
فالقلوب- بحمد الله- مترابطة، لا سيما ساعة الغروب، والأرواح تتلاقى عند المنام، وما يعلم جنود ربك إلا هو.
إخواني الكرام.. اعلموا أن المحبوسَ من اتَّبع هواه، وحُبس قلبُه عن الله، فهذا هو المحبوس حقًّا، ولو تقلَّب في أعطاف النعيم، أو تمرَّغ في مراتع الرخاء.
والحرية كل الحرية في تعبيد القلب لله، والقرب منه دون سواه، والوقوف بين يديه، والتذلل إليه، والانكسار له وحده، واستشعار لذة المناجاة والدعاء والابتهال والبكاء بين يديه، فهذا هو الحر حقًّا، ولو كان في غياهب السجن أو شعاب الهلاك أو جحيم العذاب.
وما من محنةٍ تحفها رحمة الله إلا انقلبت بذاتها منحة، وما من منحة تخلَّت عنها رحمته إلا انقلبت بذاتها محنة، فرحمة الله تتمثَّل في الممنوع تَمَثُّلَها في الممنوح، ومتى فتح الله لك بابَ الفهم في المنع عاد المنع عين العطاء.
فيا لها من لحظات غامرة بالسعادة، نحياها مع الله بهذه المشاعر الراقية الشفافة الرفافة التي تكاد تنير ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ(58)﴾ (يونس) ومن فضل الله علينا ورحمته بنا أن آياتِ القرآن العظيم تتكشف لنا فيها معانٍ كأننا نقرؤها أول مرة، أو كأننا نعيش عصر التنزيل، وتتفجر لنا من السنة المطهرة والسيرة الطيبة ونحن نتدارسها معانٍ لم تكن لتتفجرَ لنا على هذا النحو، فيا له من لطفٍ يصاحب القدر: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ (الشورى: من الآية 19).
أحبابي الكرام.. لا تحسبوا أن مَن خلف الأسوار هو المُبتلى، ومَن خارجها هو المعافى، فربما كان البلاء الأكبر والفتنة الأشد يعيشها من هو خارجها مع الدنيا التي نلهث وراءها ونركض خلفها رَكْضَ الوحوشِ في البرية، فتبعدنا عن الله الذي ليس له بدل، ولا عنه عوض.
فالطريق شاقةٌ وطويلة، وفيها معطلاتٌ كثيرة، وعليها قطَّاع طريق، ونحن لا نقاومهم بعدة ولا عتاد، إنما نقاتلهم بالسلاح القوي، وهو الإيمان بالله والقرب منه، والاعتصام بحبله المتين، والحب والأخوة، والجهاد في ذلك، والصبر عليه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ ويَعْلَمَ الصَّابِرِينَ(142)﴾ (آل عمران).
فاصبروا وصابروا ورابطوا، وتعاونوا وأبشروا، وترقبوا ساعة النصر، وما هي منكم ببعيد، والله أكبر ولله الحمد.
أخوكم
أحد المعتقلين بسجن وادي النطرون
بسبب مناصرة القضاة