بقلم: حسن عبد الحميد

في البدء لا يخفى على كلِّ متابع لهذه النوعية من المسلسلات التاريخية من تأثير كبير، وتفاعل الكثير من الناس معها، فأجمل من أن تقرأَ كتابًا عن المرابطين، أن تنظرَ وتشاهدَ بكافة حواسك مثل هذا المسلسل، لتجدَ نفسك تتفاعل مع ما ترى بكلِّ حواسك وقلبك أيضًا، وإذا كان الإمام أبو حنيفة رحمه الله قد قال: (دراسة السِير تغني عن كثير من الفقه) فإن مشاهدة السِير هي دراسة بكل الحواس وليس بالنظر فقط.

 

وصناعة الدراما التاريخية مهمةٌ صعبةٌ؛ لاختلاف الروايات التاريخية، والصعوبة في بعض الأحيان للترجيح بينها، مما قد يُحدث حوارًا ونقاشًا وجدلاً حول سبب هذا الاختيار لرواية تاريخية معينة دون غيرها، ولكن تبقى خلفية الكاتب وروحه التي تنبض في داخله، هي التي يكون لها الدور الكبير في هذا الترجيح أو ذاك، مهما حاول أحدنا الموضوعية كطبيعة بشرية.

 

وثمةَ إقبالٍ كبيرٍ من قِبل المشاهد العربي على هذا النمط من الأعمال، على اعتبار استحضار دورة الزمن الماضي لمعرفةِ الحاضر ومشكلاته والقياس بينهما، ثم يرفل الذكي منهم باستشراف المستقبل من خلال الدمج بين أطوار الزمان الثلاث، وهذا أمرٌ هام وخطير، وأهميته تكمن في أنه بهذه النظرة تُصنع الأمم وتنهض وتتطوَّر ويتغيَّر حالها من حال إلى حال أفضل سياسيًّا ونفسيًّا واجتماعيًّا وفكريًّا، وخطورته تكمن في عدم التركيز على الجوانب التي تفيد فعلاً في صياغة العقل العربي المتابع لهذه الأعمال الدرامية، فلو أننا قدَّمناها له صورةً مشوهةً، فإننا بهذا نكون قد أسهمنا في صنعة التشويه هذه، بدلاً من صناعة المستقبل.

 

وما نقرأ التاريخ- بكل طرق عرضه حتى القصص القرآني المعجز- إلا للعبرة والاعتبار، ومن هنا حين نعي فقه الاعتبار، يكون عملنا مركزًا ودائرًا مع هذا المحور الرباني الهام، لنقدم بذلك خلاصاتٍ فكريةً وعمليةً للمشاهد الكريم، بحيث نبرز مَوَاطنَ الاعتبار التي تهم المُشاهِد وتربط الزمن التاريخي والزمن الحاضر، فتتحرَّك أشواقه إلى مستقبل واعد، وفي أقل تقدير تنبض روحه لمزيد بحث واطلاع.

 

وتابعت تسجيلاً لأعمال الندوة الفقهية الإعلامية السابعة في جدة التي عقدتها قناة "اقرأ" الفضائية حول الدراما التاريخية، ودور المعالجة الدرامية للتاريخ الإسلامي في استنهاض الهمم، وشارك فيها نخبةٌ من كبار العلماء والمفكِّرين والكتَّاب والإعلاميين من عدة أقطار عربية من بينهم المفكِّر أ د‏.‏ محمد عمارة، ود‏. وليد سيف، ود. عبد الستار أبو غدة، وعبد العزيز المشعل، وحسين حسان، وغيرهم، وتلذَّذتُ حقيقةً بما طرحه المفكِّر الكبير د. محمد عمارة حفظه الله ووضعها في نقاط، أنقلها هنا، مع تصرف يسير:

 

 د. محمد عمارة


*‏ إن واقعنا العربي والإسلامي الراهن يعاني من مشكلاتٍ وتحدياتٍ تأخذ بخناق الأمة وتعوق نهضتها وتقدمها، وإن همومها أصبحت تحتل المساحةَ الأوسع من فكرنا الوطني والقومي والإسلامي المعاصر‏.‏

 

‏*‏ إن الدراما التاريخية تستطيع أن تستدعيَ من سُنن التاريخ الإسلامي ومعاركه وعيًا تاريخيًّا ينمي وعينا المعاصر بمشكلاته الحالية، وروحًا جهاديةً تشحن وجدان الأمة بالكبرياء المشروع، وتعينها على ترتيب الأوراق والأوليات، وتعظيم الإمكانات وحشد الطاقات لتحقيق الانتصار على هذه التحديات‏.‏

 

*‏ إن صفحات التاريخ زاخرةٌ بسير وجهود العلماء الذين أبدعوا في مختلف ميادين العلم المدني منذ فجر ظهور الإسلام‏، وفي ميادين التربية وتهذيب القلوب، وتحرير المرأة الذي صنع في مدرسة النبوة قياداتٍ ورياداتٍ نسائيةً شاركت في إقامةِ الدين وبناء الأمة وصناعة الحضارة‏.‏

 

*‏‏ إن الدراما التاريخية يمكن أن تقومَ بدور كبير في تثقيفِ الأجيال الجديدة بالقيم الإسلامية الرفيعة، وتصحيح المفاهيم الخاطئة ضد الإسل