ترجمها عن الإنجليزية د. إبراهيم عوض 

 

جاء في الحديث النبوي: "ما من مسلم يغرس غرسًا‏ ‏أو يزرع زرعًا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به ‏‏صدقة".

 

الواقع أن القول بأن محمدًا رائدٌ من رواد الحفاظ على البيئة سوف يقع في آذان الكثيرين في البداية موقعًا غريبًا، إذ لا شك أن مصطلح "الحفاظ على البيئة" وما يرتبط به من مفاهيم مثل "البيئة" و"الوعي البيئي" و"ترشيد الاستهلاك" هي ألفاظ من اختراع العصر الحديث، أيْ مصطلحات صيغت لتواجه الاهتمامات المتزايدة بالوضع الراهن لعالم الطبيعة من حولنا.

 

ومع ذلك فإن قراءة الأحاديث النبوية عن قُرب- أي تلك الروايات المتعلقة بالأحداث المهمة في حياة محمد- لَتُرِينا أنه كان واحدًا من أشد المنادين بحماية البيئة، بل إن بمستطاعنا القول بأنه كان في نصرته للبيئة سابقًا لعصره، أي رائدًا في مجال المحافظة على البيئة والتطور الرشيد والإدارة الحكيمة للموارد الطبيعية، وواحدًا من الذين يَسْعَوْن لإقامة توازن متناسق بين الإنسان والطبيعة.

 

وبالاستناد إلى ما أوردته لنا الأحاديث من أعماله وأقواله يمكننا القول بأن محمدًا كان يتمتع باحترام عميق لعالم النباتات والأزهار، وأنه كان على صلة حميمة بعناصر الطبيعة الأربعة: التراب والماء والنار والهواء.

 

لقد كان محمد من الدعاة الأقوياء للاستخدام الرشيد للأرض والماء واستثمارهما، وكذلك المعاملة الكريمة للحيوانات والنباتات والطيور، والحقوق المتساوية لمن يتعاملون معها من البشر، وفي هذا السياق فإن حداثة رؤيته للبيئة وحداثة المفاهيم التي جاء بها في هذا المجال لمِمَّا يَشْدَه العقل شَدْهًا، حتى لتبدو بعض أحاديثه وكأنها مناقشات عصرية حول قضايا البيئة.

 

المبادئ الثلاثة

إن فلسفة محمد البيئية هي أولاً وقبل كل شيء فلسفة شاملة مترابطة؛ إذ تقوم على أن هناك صلةً أساسيةً وارتباطًا متبادلاً بين عناصر الطبيعة، كما أن الإيمان هو نقطة انطلاقها، بأنه إذا أساء الإنسان استخدام عنصر من عناصر الطبيعة أو استنزفه استنزافًا فإن العالم الطبيعي برُمَّته سوف يضارّ أضرارًا مباشرة.

 

على أن هذا الاعتقاد لا يُنَصّ عليه في حديث واحد نصًّا مباشرًا، بل يمثل بالأحرى المبدأ الذي تنهض عليه جميع أقوال محمد وأفعاله.. إنه فلسفة حياته التي على ضوئها نستطيع أن نبصر ملامح شخصيته.

 

   الصورة غير متاحة
إن أهم ثلاثة مبادئ في الفلسفة المحمدية المتعلقة بالطبيعة تقوم على تعاليم القرآن ومفاهيم الوحدانية وخلافة البشر والثقة في الإنسان، ويمثل التوحيد حجر الزاوية في دعوة الإسلام، وهذا التوحيد يراعي الحقيقة التي تقول بوجود خالق واحد للكون، وأن الإنسان مسئول أمامه عن أعماله: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (المائدة: 120). 


ويقر محمد بأن علم الله وقدرته يشملان كل شيء، ومن ثم كانت الإساءة إلى أي مخلوق من مخلوقاته- سواءٌ كان كائنًا حيًّا أو مصدرًا من مصادر الطبيعة- ذَنْبًا من الذنوب يجازَى الإنسان عليه، وفي اعتقاده أن جميع مخلوقات الله متساوية أمامه سبحانه، وأن الحيوانات، وكذلك الأرض والغابات وينابيع المياه ينبغي أن يكون لها حقوق تُحْتَرَم.

 

أما مفهوما الخلافة البشرية في الأرض والثقة في الإنسان فينبعان من مبدأ الوحدانية، ويوضح القرآن أن الإنسان يتمتع بوضع متميز بين مخلوقات الله على الأرض، إذ اصطفاه ليكون خليفةً فيها وينهض بمسئولية العناية بغيره من مخلوقات هذا الكوك