رآني صاحبي في اليوم الثاني من أيام العيد بمكة أيام الحج أتهيأ لطعام الغداء، فأقبل عليَّ متلهفًا، وقال: أنت هنا وفضيلة المرشد على بعد أمتار منَّا يستقبل الأفواج تلو الأفواج من الحجيج من شتى بلدان العالم يسلِّم عليهم ويسلِّمون عليه، أسرع فسلِّم عليه قبل أن يمضيَ الوقت ولا تُدركه.

 

أسرعتُ إلى حيث وصف لي صديقي، فوجدت فضيلة المرشد جالسًا، وحوله الشباب والشيبان يملئون منه أعينَهم، ويجلسون بين يديه جلوسهم بين يدي المؤدِّب الذي يأخذ بقلوب وعقول تلامذته، وهوَّن الأستاذ على الجلوس الأمر قائلاً: سلوا عمَّا شئتم ولا تدعوا في أنفسكم حاجةً ولا داجةً إلاَّ استفسرتم عنها، فليس عندنا شيءٌ نخبئه أو نستحي منه، فجماعتنا أنصع صفحةً وأشد نقاءً من أن تخبِّئَ عنكم أو عن غيركم شيئًا، وانطلق الجميع يسألون فضيلته ويُخرجون ما في نفوسهم لمرشدهم وحبيبهم وقدوتهم في العطاء والابتلاء والبذل الأستاذ محمد مهدي عاكف.

 

وكانت معظم الأسئلة مكرَّرة إلا سؤالاً واحدًا جعلنا نسكت جميعًا، وكأنَّ على رءوسنا الطير لنسمع ردَّ فضيلته عليه.

 

لماذا لا تحافظون على مقامكم وهيبتكم بأن تجعل لفضيلتك مكانةً خاصةً من حراسةٍ وتصريحاتٍ نادرةٍ وكيانٍ عظيمٍ يتناسب مع حجم الجماعة وحجم مرشدها، تمامًا كما يفعل النصارى مع البابا والشيعة مع مراجعهم؟

 

وكان السؤال جديدًا مما زادنا شوقًا لسماع الإجابة، وخرجت الإجابة بأحرفٍ من نورٍ أو بصوتٍ موسيقي عذب يستمد عذوبته من روعة ما يقول صاحبه، ردَّ فضيلة المرشد ردًّا اقشعر بدني منه رغم توقعه وزادني في الرجل حبًّا فوق حبي.

 

قال فضيلته: ليس عندنا في الدعوة كهنوت ولا تقديس، إنما أنا رجلٌ من عامة الإخوان، أخرجُ في الصباح أشتري الخبز والفول وأقود سيارتي بنفسي، وأتحدَّث مع كبار الصحفيين وصغارهم، أنا أقل شأنًا مما تتحدثون عنه!! لقد اقترح عليَّ بعضُ الإخوان مثل هذا الأمر، ولكنني رفضت، فنحن أصحابُ دعوةٍ ورسالة لا مظهريةٍ جوفاء، وخيرٌ لمثلي أن يلتقيَ بصغارِ الصحفيين يحاورهم ويحاورونه فيعلِّمهم صدق الكلمة وأمانة المهنة من أن يُخاطب كبارهم ممن شبُّوا على النفاق.. أنا رجلٌ من عامتكم، غيرَ أنَّ الله عزَّ وجلَّ جعلني أثقلَكم حملاً!!

 

الله.. ما أروعك يا فضيلةَ المرشد، وما أضوأ كلماتك التي تخرج من نفس مشكاةِ حسن البنا الذي كان يتباهى بأنه معلم الخط قبل أن يكون المرشد، ومن نفس مشكاة الهضيبي الكبير الذي أوصى أن يُدفنَ بعد موته في مقابرِ الصدقة، ومن نفس مشكاة التلمساني الذي كان من سلالةِ الأغنياء الكبار وما كنتَ تميزه عن أفقرِ الفقراء، ومن نفس المشكاة أبي النصر ومشهور والهضيبي الابن الذين كان مَن يلقاهم ولا يعرفهم يحسبهم من ضعفةِ القوم، وما فقهوا أنهم كانوا في عيون العالم أعلى منزلةًَ وأرفع قدرًا من كثيرٍ من حكامِ المسلمين حتى في أعين حكام الغرب وسدنتهم.

 

لقد كنتُ أحب الأستاذ عاكف كثيرًا، لكنني اليوم ازددت له حبًّا، ولم لا؟ وهو الذي علمنا أن المرشدَ ليس هو الذي يعتلي مكتبَ الإرشاد كوظيفةٍ دنيوية، إنما هو الذي يُرشدنا إلى الجنة، فكأنه مرشدٌ للدنيا ومرشدٌ للآخرة.

 

اسمح لي يا أستاذ أن أقولها من قلبي لك: "إني أحبك في الله".