من يرصد الوضع الحالي بيننا وبين أعدائنا يدركْ بوضوح مدى خسارتنا كمسلمين أمام أعدائنا في ميدان المعركة السياسية، فليس في وطننا الإسلامي العريض بقعة نستطيع أن نقرِّر باطمئنان أن لها إرادةً سياسيةً حرةً، وكثير من الحروب والمعارك تنتهي إذا ما سيطر طرف على الإرادة السياسية للطرف الآخر، إلا أن عدونا لم يكتفِ بهذه الهزيمة السياسية.

 

ولو رصدنا وضعَنا في الميدان الاقتصادي لوجدنا جلَّ أموال العرب والمسلمين رهينةً في مصارف أعدائنا وبنوكهم، وعالمنا الإسلامي رغم ثروته لا يملك حريةَ القرار الاقتصادي، ومع ذلك فإن عدونا لم يكتفِ بتبعيتنا الاقتصادية فوق تبعيتنا السياسية، وكثير من المعارك والحروب تنتهي إذا ما اطمأنَّ طرف إلى تبعية الآخر له اقتصاديًّا، إلا أن معركتنا مع عدونا لم تنتهِ رغم ذلك، وهو ما زال يعتبر أن هناك ما يستدعي استمرار المعركة معنا.

 

ولنقُل مِثْل ذلك في ميدان العلوم والتقنية، فضلاً عن مجال القوة العسكرية، كان من المنطقي بعد ذلك كله أن لا يأبه عدونا بنا ولا يستشعر خطرًا من قِبَلنا، بعد أن أنزل بنا كل هذه الهزائم في كل هذه المجالات، لكنه ما زال يكيل لنا الضربات، لعلمه أنه ما زال لنا قوة تخيفه في ميدان من ميادين المعركة لم يهزمنا فيها بعد، ما زال عدونا يردِّد أن الخطر عليه هو الإسلام القادم.. إنه يردِّد ذلك لأنه يعلم أنه لم يكسب المعركة الرئيسة، لم يكسب المعركة على محور الصراع الرئيس أو في ميدانها الحقيقي، فما هذا الميدان؟!

 

إذن محور الصراع هو ميدان التربية والتكوين، فقد أدرك عدونا أنه فشل حينما زحزح مجتمعاتنا عن المنهج الإسلامي وأرسى بديلاً له من شيوعية أو ديمقراطية أو رأسمالية أو اشتراكية أو علمانية، فما لبث المسلمون إلا وعادوا إلى إسلامهم والدعوة إليه، هنا اعتبر العدو أن تكوين الإنسان المسلم هو الذي يجعله كالإناء، صالحًا لأن يحمل الإسلام حين تتاح له الفرصة، جرَّب عدونا أن يفرغ هذا الإناء من إسلامه، ويملأه بغيره، فما هي إلا سنوات ويعود الإناء ليحملَ الإسلام من جديد، لذلك فالعدو لا يهمه الآن ماذا يملأ الإناء بقدر ما يهمه أن يغير من خصائص هذا الإناء حتى يفسدَه، فلا يصلح أن يحمل إسلامًا يومًا ما، إنه يريد أن يفسد تكوين هذا الإناء وخصائصه حتى إذا صُبَّ فيه الإسلام فإنه لا يمسكه.

 

لذلك فإن المعركة الحقيقية بيننا وبين أعدائنا- في تقديرهم- هي معركة على التكوين والخصائص، أي أن محور الصراع بيننا وبينهم هو التربية، هم يريدون لنا خصائص وتكوينًا لا يسمحان لنا بشرف حمل الإسلام ونصرته، ونحن نريد أن نحافظ على تكويننا وخصائصنا التي تجعلنا صالحين لأن نحمل الإسلام وننصره يومًا ما.

 

ولذا فإن التربية هي اختيار أساسي في عملنا، اختيار لا نملك عنه حِوَلاً، فنحن نرجو أن نكون جند الله أصحاب دعوته، ولذلك نقف في مواجهة أهل الباطل أعداء الإسلام، ودخولنا في خضم هذه المعركة يرتكز على وضوح في الرؤية، ولأن المعركة واسعةٌ متعددةُ الميادين، ولأن أعداءنا مسلحون بالعلم والمعرفة والمعلومات فضلاً عن صنوف القوة، وهم كذلك من معتادي الخداع والتمويه، فلا مفر من أن ندرك بوضوح شديد أبعاد المعركة الدائرة بيننا وبينهم، وندرك ميادينها الرئيسة والفرعية، وندرك المواقع الأساسية والجانبية، ثم لا نسمح لهم أن يستدرجونا ليستنفذوا طاقاتنا وقواتنا في معارك جانبية هامشية فيكسبوا المعركة في ساحتها الرئيسة.

 

وفي هذا الصدد يقول الإمام البنا رحمه الله: إن الأمة التي تحيط بها ظروف كظروفنا وتنهض لمهمة كمهمتنا وتواجه واجبات كتلك التي تواجهنا لا ينفعها أن تتسلى بالمسكنات أو تتعلل بالآمال والأماني، وإنما عليها أن تعد نفسها لكفاح طويل عنيف وصراع قوي شديد بين الحق والباطل، وبين النافع والضار، وبين صاحب الحق وغاصبه وسالك الطريق وناكبه، وبين المخلصين الغيورين والأدعياء المزيفين، وإن عليها أن تعلم أن الجهاد من الجهد والجهد هو التعب والعناء وليس مع الجهاد راحة حتى يضع النضال أوزاره وعند الصباح يحمد القوم السرى" (رسالة هل نحن قوم عمليون).

 

ولقد حرص الأستاذ البنا على التربية باعتبارها مصنعَ الرجال، وفي هذا يقول: "أعدوا أنفسكم وأقبلوا عليها بالتربية الصحيحة والاختبار الدقيق وامتحنوها بالعمل، والعمل القوي البغيض لديها الشاق عليها وافطموها عن شهواتها ومألوفاتها وعاداتها"(رسالة المؤتمر الخامس).

 

وأكد الأستاذ البنا رحمه الله ضرورة التجديد في الوسائل والأساليب بما يتفق وتجدُّد فكر الناس وسلوكهم وبما يتمشى مع المستجدات المحيطة وبما يحقق- عمليًّا- الغاية وفي هذا يقول: "إن لكل عصر طريقًا في الكتابة تتناسب مع أسلوب أهله في الفهم وطريقهم في الدراسة، ولا بد من هذا التجديد تبعًا لتجدد عقول الناس وتغير طرق البحث والتفكير والاستنباط".

 

وهناك فرق بين توضيح المفاهيم والتزود بالمعارف، وبين التربية عليها وتحويلها إلى سلوكيات واقعية، ولذا فإن التربية على ذلك تحتاج إلى سنوات طويلة وحركة واسعة وأداء عملي سلوكي شاق، والتربية يسبقها تعريف ويتبعها تنفيذ، وفي هذا الصدد يقول الإمام البنا: "وذلك أن مراحل هذه الدعوة ثلاثة:

أولاً: التعريف

بنشر الفكرة العامة بين الناس ونظام الدعوة في هذا الطور, نظام الجمعيات الإدارية ومهمتها العمل للخير العام، ووسيلتها الوعظ تارةً، والإرشاد تارةً، وإقامة المنشآت النافعة تارة أخرى، إلى غير ذلك من الوسائل العملية.

 

ثانيًا: التكوين

وهو استخلاص العناصر الصالحة لحمل أعباء الدعوة وضم بعضها إلى بعض وتخير الأنصار وإعداد الجنود وتعبئة الصفوف، ونظام الدعوة في هذه المرحلة صوفي بحت من الناحية الروحية وعسكري بحت من الناحية العلمية, وشعار هاتين الناحيتين دائمًا أمر وطاعة من غير تردد ولا مراجعة ولا شك ولا حرج, والدعوة في هذه المرحلة لا يتصل بها إلا من استعد استعدادًا حقيقيًّا لتحمل أعباء جهاد طويل المدى كثير التبعات (كمال الطاعة).

 

وفي ذلك يقول الإمام البنا: "أيها الإخوان إنكم فى دور تكوين فلا يلهيكم السراب الخادع عن حسن الاستعداد وكمال التأهب، اصرفوا تسعين جزءًا من المائة من وقتكم لهذا التكوين وانصرفوا فيه لأنفسكم، واجعلوا العشرة أجزاء الباقية لما هو لكم من الشئون حتى يشتدَّ عودكم ويتمَّ استعدادكم وتكملَ أهبتكم، وحينئذ يفتح الله بينكم وبين قومكم بالحق وهو خير الفاتحين".

 

ويؤكد الإمام البنا ضرورة تعهد النفس والمدعوين بالتربية والمجاهدة حتى يشتدَّ العود ويكملَ الاستعداد فيقول: "إن معركتنا معركة تربويةٌ"، "إن العمل مع أنفسنا هو أول واجباتنا فجاهدوا أنفسكم".

 

إن اليقظة الروحية التي تحدثها مرحلة التعريف يجب ألا تُترك لتتلاشى وتخمدَ ولكن يجب أن تُزكَّى وتوجَّه إلى داخل النفس لتعملَ عملَها في الإصلاح والتغيير، ثم صياغة الفرد الذي استجاب للدعوةِ بعد مرحلة التعريف على أساس الدعوة وصبغه بمحتواها وأفكارها وتعاليمها حتى يصبح مؤهلاً لتبعات التنفيذ.

 

وخلاصة التكوين إيجاد شخصية ربانية تؤثر الخالق على الخلق, والآخرة على الدنيا, وباعث الدين على باعث الهوى.

 

ثالثًا: التنفيذ

وهو الدائرة الثالثة من دوائر العمل في دعوة الإخوان، ويحدد الإمام البنا طبيعةَ الدعوةِ في هذه المرحلة بقوله (والدعوة في هذه المرحلة جهادٌ لا هوادةَ فيه، وعملٌ متواصلٌ في سبيل الوصول إلى الغاية، وامتحانٌ وابتلاءٌ, ولا يصبر عليها إلا الصادقون, ولا يكفل النجاح في هذا الطور إلا كمال الطاعة) والتنفيذ يقصد به كل جهد يبذل خارج دائرة الذات لصالح الدعوة الإسلامية، ويقصد به كل حركه يومية ذات طابع جهادي لتحقيق هدف مرحلي، ويقصد به ممارسة الجهاد عمليًّا لتحقيق هدف شامل، وعلى هذا يدخل في التنفيذ كلُّ عمل جهادي يومي وكل إعداد لإقامة الدولة الإسلامية، ولذا فإن مشروعنا مرتبط بمهمتنا في الحياة..﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (الحج: 77، 78).